خصائص صوتية يتفرد بها اللسان العربي : طلاقة الكلام والفصاحة والتعبير المسترسل

خصائص صوتية يتفرد بها اللسان العربي : طلاقة الكلام والفصاحة والتعبير المسترسل

تتحرك الحروف العربية عند نطقها في مخارج عدة، رصدها فقهاء اللغة العربية في تراثنا العربي من أقصى الحلق حتى الشفتين، ويأتي حرف (الهمزة) في أقصى الحلق، فيما تنتهي مخارج الحروف عند الشفتين بأربعة أحرف هي: ب م ف و ، وهي الحروف الشفوية، مرورا بحروف الحنك، واللسانية الأسنانية،  كالدل والذال، والطاء، والتاء والثاء، والتي على طرف اللسان كالراء، وقد قسمها العلماء العرب تقسيمات بديعة رائعة، لتغطي هذه المساحة الصوتية. 

ومع هذه المخارج الصوتية امتلك العرب بلاغة كبيرة في تدفق الكلام، والتعبير البديهي والسريع، وهم الذين يتحلون بفصاحة لا نظير لها،  لم تبرز في نطقهم واستعمالهم للغة بشكل تداولي فحسب، بل برزت في الشعر والنثر، وفي الخطابة، وفي ضرب الأمثال، والحكم، وعيون الكلام، وهنا تجلت عظمة اللغة العربية في نزول القرآن الكريم الذي حفظها حتى اليوم. 

و يتسم العرب بخواص لا توجد لدى الأمم الأخرى تتمثل في طلاقة الكلام، والفصاحة، والتعبير المسترسل في أي موقف أو تجربة، بحيث ينثال الكلام خطابة أو شعرا أو سجعا أو نثرا على ألسنتهم انثيالا، وفي ذلك يقول الجاحظ:" وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكرة، ولا استعانة. وإنما هو يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع، أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيده على نفسه ولا يدرسه أحدا من ولده، وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وله أقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، أو يحتاجوا إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله. فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم، من غير تكلف ولا قصد ولا حفظ ولا طلب وإن شيئا هذا الذي في أيدينا جزء منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب، وعدد التراب، وهو الله الذي يحيط بما كان، والعالم بما سيكون" 

ويصف الجاحظ ذلك كله بالديباجة الكريمة، والرونق العجيب، وهو ما أهّل اللغة العربية لتكون لغة إبداعية من الطراز الأول، حيث حملت كمية هائلة من الإبداع الشعري والنثري والعلوم والفنون وتفسيرات القرآن الكريم ومختلف علوم البلاغة والطب والكيمياء والفلك. إذ يضيف الجاحظ:" ونحن – أبقاك الله- إذا ادعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان أن يقول في مثل ذلك إلا في اليسير والنبذ القليل" 

من جانب آخر وكما يصف السيد أحمد الهاشمي فإن " العرب بفطرتهم مطبوعون على الشعر لبداوتهم، وملائمة بيئتهم لتربية الخيال فالبدوي لحريته، واستقلاله بأمر نفسه يغلب على أحكامه الوجدان، ويسلك إليه من طريق الشعور، ومعيشة البدوي فوق أرض نقية التربة، وتحت سماء صافية الأديم، ساطعة الكواكب ضاحية الشمس جلت لحسن مناظر الوجود، وعوالم الشهود، فكان لخياله من ذلك مادة لا يغور ماؤها، ولا ينضب معينها فهام بها في كل واد، وأفاض منها إلى كل مراد، وكان له من لغته وفصاحة لسانه أقوى ساعد وأكبر معاضد ". 

هكذا فإن وصف اللغة العربية بأنها لغة الجمال والإبداع لا يفارق كل من كتب بها أو قرأها أو استعملها في كتابة الذات والحياة والعالم. 

 

هوامش: 

1-    الجاحظ: البيان والتبيين، الجزء الثالث، طبعة المكتبة العصرية، بيروت 2011م ص.ص425-426

2-    الجاحظ: البيان والتبيين ص 426

3-    السيد أحمد الهاشمي: جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب المكتبة التجارية الكبرى، الطبعة السادسة والعشرون، القاهرة 1965، الجزء الثاني ص 24

خصائص صوتية يتفرد بها اللسان العربي : طلاقة الكلام والفصاحة والتعبير المسترسل
Ehsan Logo