تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

أركيولوجيا الحضارات في المملكة بين الآثار والنقوش والفنون الصخرية

أركيولوجيا الحضارات في المملكة بين الآثار والنقوش والفنون الصخرية

أحوال المعرفة – خاص

تبدي الدراسات الأركيولوجية الحديثة قدرًا كبيرًا من الاهتمام بالأفق الثقافي والتاريخي المديد للمملكة، حيث تحتضن أرضها تنوعًا حضاريًّا متعددًا، وتاريخًا قصيًّا بعيدًا يقدره الباحثون ما بين 35- 250 ألف عام، تبعا لما نشر من كشوف قبل أعوام تمثلت في الكشف عن  موقع النسيم الذي يعد أقدم المواقع الأشولية الموثقة حتى الآن في السعودية، ويكشف الستار على المستوى الإقليمي عن أنواعٍ من مجاميعٍ لأدوات حجرية استخدمها الإنسان في عصر البلايستوسين الأوسط، ومن المرجح أنها تشير إلى تكرار عودة الإنسان إلى الجزيرة العربية عندما كانت تحتوي على مروج وأنهار ومصادر مياه وفيرة، إذ يحتوي الموقع على حوض عميق يبرز في وسطه رواسب عثر فيها على مواد أثرية من العصر الحجري الأسفل، وقد تم جمع ما يقارب من 354 قطعة فأسٍ حجري، ورقائق حجرية مختلفة. واتضح من خلال المسح وجود ارتباط شديد بين المواد الأثرية والبحيرة الجافة.

وتعزيزًا للتنوع الحضاري القديم الذي يشتمل على عصور متعددة تبيّن تلك الأدوات الحجرية الأشولية بموقع النسيم أنها تعود إلى أواخر عصر البليستوسين الأوسط ، أي ما يتوافق على الأرجح مع مرحلة النظير البحري التاسع حين ذاب الجليد فيها وتشكلت بحيرات في صحراء النفود.

كما أعلنت هيئة التراث والآثار من قبل خلال الربع الأخير من عام 2020 عن اكتشاف أثري في غاية الأهمية يتضمن العثور على آثار أقدام بشرية وفيلة وجمال وحيوانات مفترسة حول بحيرة قديمة جافة على أطراف منطقة تبوك يعود تاريخها إلى أكثر من 120 ألف سنة، ويمثل هذا الكشف الأثري الدليل العلمي الأول على أقدم وجود لطبعات أقدام الإنسان والحيوان على أرض الجزيرة العربية. 

فما هي قيمة هذه الدراسات الأركيولوجية الدائمة في المملكة؟

إن ثمة كشوفًا أثرية لا تتوقف، وهي تعيد اكتشاف السيرة الإنسانية على الأرض وتحولاتها بين العصور المختلفة، فضلا على اكتشاف أنواع التربة الرملية والصخرية والحجرية التي تتوزع بين السهول والهضاب، ومصطلح : الأركيولوجيا يعنى بـ علم الآثار والفنون القديمة.، وهي كلمة مأخوذة من مصطلح إغريقي.الدلالة: تعني "معرفة القديم" أو "علم الوثائق والآثار القديمة"، وهي الدراسة العلمية لمخلفات الحضارة الإنسانية الماضية وحياة الشعوب ، و تهدف إلى الكشف عن مخلفات الماضي (مثل المباني، والقطع الفنية، والأدوات، والفخار، والعظام) لفهم تطور الحياة البشرية والنشاط البشري، و ترتكز على عمليات المسح والتنقيب وتحليل البيانات المادية. 

إرث عميق: 

تشهد أركيولوجيا السعودية (علم الآثار في المملكة العربية السعودية) نهضة غير مسبوقة تهدف إلى إبراز الإرث التاريخي والحضاري العميق الذي تحتضنه أرض الجزيرة العربية.، وقد ظهرت بوادر الاهتمام الرسمي المبكر بعلم الآثار عام 1951 بموافقة الملك عبد العزيز -رحمه الله- لفرق المسح العلمي بوسط وجنوب الجزيرة.، ثم تأسست قطاعات متخصصة وهيئات مثل: هيئة التراث لتنظيم أعمال التنقيب وحماية المواقع الأثرية وفق أنظمة الآثار المتقدمة.

ومن أبرز المواقع الأثرية في المملكة الحجر (مدائن صالح)وهو أول موقع سعودي يُسجل في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ويتميز بواجهاته النبطية الصخرية المنحوتة بدقة، كما توجد : .العلا وخيبر وتيماء وفيد وهي مراكز حضارية كبرى شهدت اكتشافات أثرية غير مسبوقة تسد فجوات تاريخية هامة وتكشف عن شبكات تجارية موغلة في القدم، كذلك قرية الفاو: العاصمة التاريخية لمملكة كندة جنوب الرياض، والتي أُسفرت التنقيبات فيها عن قطع أثرية فريدة مثل "سيدة الفاو" وموقع حلّيت الأثري: بمنطقة الرياض. 

كشوف متنوعة: 

من الكشوف الحديثة في المجال الأركيولجي الحضاري بالمملكة: نصب ذات العيون، وهو عبارة عن حجر تذكاري من تيماء يعود للقرن الخامس قبل الميلاد، والمسح المكاني لجغرافيا المملكة بإطلاق  مبادرات لتوثيق المواقع المرتبطة بشعراء المعلقات وعصر ما قبل الإسلام لربط الإنسان بتاريخه الجغرافي والثقافي، ومن المعروف أن التراث في المملكة ينقسم إلى نوعين رئيسيين هما التراث المادي (المحسوس) والتراث غير المادي (المعنوي)، ويتميز بتنوعه الكبير تبعاً لاختلاف مناطق المملكة.، وتشكل الآثار المكتشفة أو التي هي في طور الاكتشاف الجانب المميز في هذا التراث نظرًا لعمقه التاريخي والزمني البعيد. 

وتشكل الفنون الصخرية في المملكة جانبا أركيولوجيا مهما لاتسامها بهذا البعد التاريخي والحضاري المتعدد، ومنها : نقش سبمة بالمثلث، (23هـ / 643م)  ويعتبر هذا النقش أقدم نقش إسلامي مؤرخ معروف، اكتُشف النقش خلال أعمال المسح الأثري للبعثة اليابانية عام 2002 وفي عام 2022 أعادت هيئة التراث توثيق النقش،   ونقش زهير ( 24هـ/ 644م) واكتشف عام 1999، أثناء أعمال ميدانية في المنطقة الواقعة بين العُلا والحِجر، وقد نُشر النقش لأول مرة عام 2003، ويقع بمحافظة العلا في منطقة المدينة المنورة، ونصه: ( بسم الله، أنا زهير كتبت زمن توفي عمر سنة أربع وعشرين) وقد أُدرج هذا النقش في سجل ذاكرة العالم التابع لليونسكو عام 2003، بالإضافة إلى ذلك نقوش يزيد بن عبدالله السلولي، بمنطقة نجران، ونقش أبي بكر بمنطقة تبوك، ونقش يذكر عمر بن الخطاب في السويرقية بمنطقة المدينة المنورة، قبل (23هـ / 643م) ويشكل أحد أقدم النقوش الإسلامية المعروفة، بالإضافة إلى نقوش إسلامية أخرى تمثل صورة واقعية مادية ملموسة لبدايات العصور الإسلامية. 

ومن نماذج الفنون الصخرية ، رسم في جبل أم سنمان في جبة بمنطقة حائل، و تُجسد هذه الواجهة الصخرية شخصية آدمية بالحجم الطبيعي ترتدي تاجاً وحزاماً، في مشهد يُعتقد أنه يمثل تنصيب قائد أو شخصية ذات مكانة رفيعة في المجتمع. ويُؤرَّخ الرسم بنحو 6,000 إلى 7,000 سنة، خلال العصر الحجري الحديث، ويُعد من أبرز وأشهر نماذج الفن الصخري في جبة.

 وتسعى جمعية الآثار السعودية إلى تقديم كشوف أثرية متنوعة، فيما تقود هيئة التراث السعودية التابعة لوزارة الثقافة جهوداً كشفية في الآونة الأخيرة، للتنقيب في المساحات الشاسعة التي لم تحظ باهتمام كافٍ خلال العقود الماضية، وهذه الجهود تكللت في الأشهر الماضية بعدد من الاكتشافات، كان آخرها ما نشرته مجلة Nature Scientific Reports تحت عنوان "انتشار الإنسان في العصر الأشولي بصحراء النفود بشمال المملكة".

إن ثمة جذورًا حضارية قصية تشمل مختلف العصور البشرية تتجلى في هذه الكشوف الأثرية والأركيولوجية التي لا تتوقف مشكلة فضاء معرفيا وبحثيا يبرز القيمة المكانية والزمنية لواحدة من أعرق حضارات العالم. 

 

هوامش

·      https://heritage.moc.gov.sa

·      https://www.archaeological-assoc.org.sa/en/web/antiquities/who-are-we-

https://www.independentarabia.com/node/222006

أركيولوجيا الحضارات في المملكة بين الآثار والنقوش والفنون الصخرية
Ehsan Logo