أبقاهم نبوغهم الفني في الذاكرة الشعرية العربية شعراء العمر القصير .. الجميل شعريّا

أبقاهم نبوغهم الفني في الذاكرة الشعرية العربية شعراء العمر القصير .. الجميل شعريّا

عبدالله السمطي 

صدمة الشعر، دهشته وأخيلته، وتمكنه من روح الشاعر يجعله في حال قلق دائم، وفي حال تمرد على النمطي والمألوف، لأنه يبحث عن الجديد والمغامر دائما. 

هكذا يمكن أن نقرأ هذه الأجواء لدى عدد من الشعراء الذين عاشوا للشعر لكن في حياة قصيرة ربما لم يتحملوا فيها هذه الصدمة، وهذه الدهشة وطاقة الخيال الشعري الكثيفة. 

وبرغم من أعمارهم القصيرة لكنهم أسهموا في ترويض الشعر وكتابة قصائد باقية، حفروا فيها مخيلاتهم بحواف الأبجدية وكتبوا لغة خلال لغة عاشوا بها ولها فعاشت قصائدهم ودواوينهم في ذاكرة الشعر العربي. 

ومن شعراء العمر القصير في ذاكرة الشعر العربي الشاعر طرفة بن العبد الذي مات عن (26) عاما وهو صاحب المعلقة الشهيرة :

لخولة أطلال ببرقة ثهمد

تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

وتتضمن المعلقة (33) بيتا من أبرع الأبيات في وصف الناقة، كما تتضمن عددا كبيرا من أبيات الحكمة الشعرية المتفردة مثل قوله:


وظلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهنّدِ 


وبيته الشهير الذي صنفه ابن قتيبة في كتابه :" عيون الأخبار" كأفضل بيت في الحكمة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا 

ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد 


ومن أبرز هؤلاء الشعراء أيضا الشاعر " امرؤ القيس " الذي عاش (45) عاما،  والملقب ب:" الملك الضليل" ، وكان يبحث عن سؤدد وحياة عزة، وهو صاحب المعلقة الشهيرة التي غيرت الشعر العربي وقيدت الأوابد ، وجعلته رائدا للشعرية العربية القديمة: 

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

لما نسجتها من جنوب وشمأل

وهو الذي أرسى التقاليد الفنية للقصيدة العربية قبل الإسلام. 

وقد توفي الشاعر ذو الرمة في العصر الأموي عن (39) عاما، وقد عاش تناقضا حادا بين أحلامه وواقعه أودى به إلى موت مبكر في قلب الصحراء عندما نفرت ناقته:" صيدح" وتركته وحيدا في الصحراء وقد وجد على قوسه هذان البيتان: 

ألا أبلغْ الفتيان عني رسالة

أهينوا المطايا هن أهل هوانِ

فقد تركتني صيدح بمضلة

لساني ملتاث من الطلوانِ



ومات أبو تمام صاحب ديوان :" الحماسة" وصاحب الشعر المتقن عن (42) وهو أحد أمراء الشعر في العصر العباسي، وكذلك توفي أبو فراس الحمداني عن (37) عاما، وهو صاحب القصائد الفروسية الرائعة في شعرنا العربي ، وصاحب الروميات التي كتبها في سجنه،  وصاحب القصيدة الشهيرة:

أراك عصي الدمع شيمتك الصبرُ

أما للهوى نهي عليك ولا أمرُ 

نعم أنا مشتاق وعندي لوعة

ولكن مثلي لا يذاع له سر

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يد الهوى

وأذللت دمعًا من خلائقه الكبرُ


وتوفي ابن هانئ الأندلسي عن (42) عاما، وكذلك مات في عمر مبكر كل من : وضاح اليمن الشاعر العاشق الذي قتل في البئر، وتميم بن المعز، ومروان بن عبدالرحمن، والشريف الرضي صاحب الإبداع الشعري المتميز وصاحب البيت الشعري الشهير: 

وتلفّتتْ عيني فمذ خفيتْ

عنها الطلول تلفّت القلبُ 

وفي العصر الحديث هناك عدد من الشعراء من أصحاب العمر القصير مثل الشاعر التونسي الأشهر:" أبو القاسم الشابي" ( 1909-1934) الذي توفي عن (25) عاما لكنه خلف ديوانه الرومانسي الذي أسهم به في تشكيل الاتجاه الرومانسي العربي :" أغاني الحياة" وفيه قصيدته الشهيرة :" في هيكل الحب" وقصيدته الأشهر:

إذا الشعب يوما أراد الحياة

فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي

ولابد للقيد أن ينكسرْ

وقد عاش الشاعر فوزي المعلوف وهو من شعراء المهجر الأمريكي (31) عاما ( 1899-1930) وكتب ستة مؤلفات هي :" سقوط غرناطة" و" شعلة العذاب" و" أغاني الأندلس" و"من قلب السماء" و"على بساط الريح" و"بين الطيور" 


الشاعر محمد كمال رمزي مات عن عمر (21) عاما، وترك ديوانا في مجال قصيدة النثر قام بتحقيقه الكاتب إدوار الخراط ، وكذلك الشاعر هاشم الرفاعي صاحب قصيدة السجن، والشاعر السوري عبدالباسط الصوفي (1931-1960) مات عن عمر (29) عاما وهو شاعر رومانسي عبر كثيرا عن الانطواء والعزلة، وصدر له ديوان:" أبيات ريفية" 

والشاعر بدر شاكر السياب  ( 1926-1964) توفي عن (38) عاما وهو صاحب القصيدة الشهيرة :" أنشودة المطر":

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر 

ونجمتان راح ينأى عنهما القمر 

وقد أصدر مجموعة من الدواوين منها: المعبد الغريق، وأنشودة المطر

كذلك الشاعر المصري أمل دنقل  ( 1940-1983) الذي رحل عن عمر (43) عاما، صاحب القصيدة الشهيرة لا تصالح:

لا تصالح ولو قلدوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

وأثبت جوهرتين مكانهما

هل ترى؟

هي أشياء لا تُشترى

وقد استلهم دنقل التراث العربي والإسلامي في قصائده وقدم مجموعة من الدواوين المهمة منها:" البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" و" أوراق الغرفة 8) 

ومن شعراء الذين عاشوا لعمر قصير الشاعر هاشم الرفاعي (1935-1959) وقد اغتيل هاشم الرفاعي وهو ابن الرابعة والعشرين من عمره، بعدما ترك ما يَزيد على 187 قصيدة شعريَّة جدَّدت في تناول القضايا الإسلاميَّة التي غابت عن المجال الأدبي في عصره.

ومن شعره في الأزهر الشريف: 

قف في ربوع المجد وابكِ الأزهرا

واندبه روضًا للمكارم أقفرا 

كذلك من شعراء العمر القصير الشاعر الكويتي فهد العسكر ( 1917-1951)  الذي توفي عن (34) عاما وهو من رواد الشعر في الكويت .

وقد اشتهر بأشعاره ، فقام بتأليف قصيدة مدح في الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله -  ، وقام عبد اللطيف الكويتي بتلحينها وغنائها، فلما سمعها طلب قدوم كاتبها إلى الرياض عن طريق ممثل الملك عبد العزيز في الكويت عبد الله بن حمد النفيسي ، وحلَّ ضيفا على الملك عبد العزيز في الرياض ، وكان ابن عم والده عبد الله بن علي العسكر في استقباله، وعينه الملك عبد العزيز كاتبا لابنه محمد بن عبد العزيز آل سعود الذي كان يقيم بين اليمن والسعودية،  ثم طلب من عبد الله بن علي العسكر أن يتوسّط له عند الملك لكي يرجع إلى الكويت، ورجع إلى الكويت.

إن شعراء العمر القصير أسهموا في تشكيل شعرية عربية متميزة بقصائدهم التي تنم عن نبوغ مبكر وعن شاعرية متميزة محلقة، إلا أن الغالب فيها يتمثل في الانطواء، أو التمرد على الواقع، أو الحزن، أو التعبير عن الطبيعة، أو التأمل الكوني .


أبقاهم نبوغهم الفني في الذاكرة الشعرية العربية شعراء العمر القصير .. الجميل شعريّا

هل كانت هذه الصفحة مفيدة؟ نعم لا

من فضلك أخبرنا بالسبب (حدد خيارين كحد أقصى)

إغلاق Close

أدوات إمكانية الوصول

Ehsan Logo

ابحث هنا