المكتبة العربية في شبه القارة الهندية .. (قبل قيام الدولة المغولية في الهند)

المكتبة العربية في شبه القارة الهندية .. (قبل قيام الدولة المغولية في الهند)

د. سمير عبدالحميد إبراهيم 

 

من المعروف أن الصلات بين العرب والهند تمتد إلى عصر ما قبل الإسلام، وأكبر دليل على ذلك وجود عدد من الكلمات الهندية في لغتنا العربية في عصور ما قبل الإسلام، وبعد فترة من وصول العرب حاملين نور الإسلام إلى بلاد السند، انتقل العديد من علماء السند إلى بغداد وامتزجوا داخل المجتمع العربي ، ومن بين هؤلاء الشاعر أبو عطاء السندهي، وأبو جعفر الديبلي، وأبو الصلح السندهي، وظلت اللغة العربية في السند لغة تخاطب جنبا إلى جنب مع اللغة السندية، وحين وصل الغزنويون إلى شمال الهند فتحوا بذلك طريقا جديدا لنشر الثقافة العربية الإسلامية، فقد كان تعلم العربية يمثل أساس التعليم . 

وكانت مناهج الدراسة تشتمل على القرآن الكريم والحديث، وأخبار الرسول (ص) وآثار الصحابة، وأمثال العرب مع مطالعة كتب السلف، ودراسة مقامات بديع الزمان والحريري، ومؤلفات قدامة بن جعفر، ودواوين العرب، وكذا شعر العجم، وصار للعربية في الهند مكانة عالية حتى قال أبو الريحان البيروني: " والهجو بالعربية أحب من المدح بالفارسية" وصارت اللغة العربية هي لغة المكاتبات الرسمية في زمان محمود الغزنوي، ولكنها فقدت هذه المكان في ظل خليفته مسعود الغزنوي ومن جاء بعده. 

وفي زمان الدولة الغورية تأسست في دهلي مدارس تابعة لمركز الثقافة في خراسان وما وراء النهر، كان التركيز غيها على كتب الفقه والأصول واللغة العربية، وفي زمان الدولة البهمنية في جنوب الهند، زاد الاتصال بين مسلمي الهند من سكان الساحل الغربي والمراكز العلمية في الحجاز ومصر بفضل الطرق والاتصالات البحرية، وازدهرت كجرات حتى سميت بباب مكة، وأدى علماء الهند العائدون من الحجاز ومصر دورًا مهما في تعليم وتثقيف مواطنيهم، ووصل بعض علماء الحديث الهنود شهرة جعلت زملاءهم في مصر والحجاز واليمن يتوقون للقائهم ويأتون للهند، فيعيشون فيها، ويدفنون بها. 

ومن علماء العربية في العهد الغزنوي أبو القاسم شمس الكفاءة أحمد بن حسن ميمندي ( توفي في هراة 424هـ) له شعر كثير بالعربية وقد ذكره أحمد أمين في (ضحى الإسلام ج1) وذكر معه كاتبه أبا الفتح البستي ونقل بعض ما كتب نثرا وشعرا، وأما أبو النصر محمد بن جبار العتبي فله كتاب في التاريخ باسم ( تاريخ يميني) كتبه بالعربية عن حكم سبكتكين ومحمود الغزنوي ، وقد نقل الثعالبي في (يتيمة الدهر) بعض سطور هذا الكتاب وهي تدل على ما كان عليه النثر العربي في تلك الفترة، كما ذكر ما يقرب من خمسين بيتا من الشعر. 

أما أبو القاسم أبو منصور بن علي الغزنوي فهو كاتب وأديب وشاعر، زار الشام وحاضر في دمشق عن علم الحديث ، وتقابل مع المتنبي في بغداد، وأعجب به المتنبي كثيرًا، ونذكر هنا أيضا أن أبا المعالي نصرالله منشي بن محمد قد ترجم كليلة ودمنة من العربية إلى الفارسية (358) بينما كتب أحمد المنصوري (قاضي المنصورة بالسند) عدة كتب بالعربية منها: المصباح الكبير وكتاب الهادي، ويقال: إن شاعر الهند الكبير مسعود سعد سلمان له ديوان بالعربية ، لكنه مفقود، وتوجد له متفرقات شعرية عربية أو ملمعات ( أي شعر مخلوط بالعربية والفارسية) 

أما كتاب البيروني الشهير فهو في رأي الباحثين في شبه القارة الهندية علامة هامة من علامات تطور الأدب العربي واللغة العربية في الهند، ولا يعود السبب إلى أن البيروني من أهل السند ، كما يزعم بعض الناس، لكن لأن معظم مواد الكتاب أخذت من شبه القاهرة الهندية، وللبيروني كتاب بعنوان: القانون المسعودي، كتبه تحت رعاية مسعود الغزنوي الذي أنعم عليه بأموال يساوي وزنها فيلا !

وتمضي السنون وتستمر العربية في قلوب أهل الهند وعلى ألسنتهم، وقد ذكر الرحالة ابن جبير (توفي 614هـ ) أنه شاهد الأطفال يدرسون القرآن ويتعلمون الخط  من خلال الشعر والأمثال العربية، ولم تكن آيات الذكر الحكيم تستخدم في تدريب الصبية احترامًا للكلام الطاهر، وذكر ابن بطوطة الشيء نفسه. 

ومن علماء ومؤلفي تلك الفترة رضي الدين حسن بن محمد الصغاني أو الصاغاني وهو من أشهر المحدّثين والفقهاء في زمانه كما يعد من ألمع علماء اللغة (توفي 650هـ ) سافر إلى العراق والحجاز طلبا للعلم، وعُيّن سفيرًا للخليفة الناصر في بلاد السلطان التتتمش ( الدولة المملوكية في الهند) ثم سفيرا للخليفة المنتصر بالله في بلاط السلطانة رضية التي خلفت أباها ، وعاصرت شجرة الدر في مصر، من مؤلفاته ( مشارق الأنوار النبوية في صحاح الأخبار المصطفوية) وهو مطبوع وتوجد له مخطوطات في أشهر مكتبات العالم، كما كتب أيضا ( مصباح الدجى في حديث المصطفى) و( الشمس المنيرة) وله أيضا (الرسالة في الأحاديث الموضوعة) وأيضا ( دار السحابة في بيان مواضع وفيات الصحابة) طبع في حيدر آباد سنة 1354هـ وفي علم اللغة كتب التكملة والذيل والصلة وهو تكملة لكتاب الصحاح للجوهري، وله أيضا في اللغة ( مجمع البحرين) و(العباب الزاخر واللباب الفاخر) أكمله مكتوم القيسي (متوفي سنة 749هـ ) وله كتب أخرى كثيرة ذكرها بروكلمان. 

وفي زمان الدولة الخلجية عاش عالم يدعى صقر الدين محمد عبدالرحيم الأموي الشافعي الهندي (متوفي 715هـ ) تخصص في علم الكلام وأصول الفقه، زار البلاد العربية والتقى بابن تيمية في دمشق ( رجب 712هـ) وحدثت بينهما مناظرات ومناقشات شهدها علماء ذلك الزمان ، ومن مؤلفاته : الفائق في أصول الدين، والرسالة التسعينية في الأصول الدينية، والزبدة أو زبدة الكلام.

وفي زمان آل تغلق برز من العلماء أبو بكر إسحاق بن تاج الدين (متوفى 736هـ) الذي ألف خلاصة جواهر القرآن في بيان معاني الفرقان، وربما كانت هذه أول محاولة لعلماء الهند لتفسير القرآن، ويعتمد المؤلف أساسا على كتاب جواهر القرآن للغزالي ، وله أيضا كتاب مهم باسم " كتاب خلاصة الأحكام بشرائط الإيمان والإسلام " وهو في معظمه بالعربية وبه شروح باللغة الفارسية، وكتب على غلافه ما يلي: 

خلاصة الدين بشرائط الإسلام الحاوي للأركان الخمس التي بني عليها الإسلام: علم التوحيد وعلم الصلاة وعلم الصيام وعلم حجة الإسلام، كما كتب ابن تاج أيضا كتابا بعنوان: الحج والمناسك في الفقه ، وله كتاب في الزهد بعنوان الذكر الأكبر، ومن علماء تلك الفترة أيضا، سراج الدين عمر بن إسحاق (متوفى 773هـ ) الملقب بسراج الهند، تعلم في دهلي ثم سافر إلى الحجاز ومنها إلى القاهرة، وكتب مؤلفات في الفقه الحنفي، ومن كتبه زبدة الأحكام في اختلاف الأئمة الأعلام. الغرة المنيفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة ، وكتب أيضا " شرح المغني" سنة (746هـ) وهو شرح كتاب المغني في أصول الفقه لجلال الدين الخبازي ، كما كتب شرحًا لكتاب ظفر الدين بن الساعاتي ( متوفى 696هـ ) بدائع النظام في أصول الفقه، وجعل عنوانه الكاشف أو كشف معاني البديع في بيان مشكلات المعاني، وله في علم الحديث التوضيح، وهو شرح لصحيح البخاري والأربعين، وفي العقائد له شرح عقيدة أهل السنة والجماعة على رسالة عقيدة أهل السنة والجماعة لابن جعفر محمد الطحاوي ( المتوفى 321 هـ ) 

وفي الشعر كتب قاضي عبدالمقتدر بن محمود الكندي قصيدة نعتية لامية كانت سببا في شهرته ومن تلاميذه شاعر مشهور فاق أستاذه يدعى الشيخ أحمد التهانسيري. 

إذا ما انتقلنا إلى فترة هجوم هولاكو على العالم الإسلامي، لاحظنا موجات من هجرات العلماء العرب تجاه الهند وهي هجرات أفادت الهند خاصة المناطق الجنوبية منها، فقد حدث التقاء مباشر بين علماء الهند وعلماء العرب االذين أجبرتهم الظروف السياسية على ترك ديارهم والهجرة إلى الهند، وهكذا ازدهر الأدب العربي في تلك الفترة ازدهارًا ملحوظًا. 

ومن علماء العرب الذين عاشوا في تلك الفترة الشيخ بدر بن تاج اللاهوري وهو فقيه عاش في القرن الثامن الهجري وله كتاب بعنوان: ( مطالب المؤمنين) أما سيد محمد كيسو دراز الحسيني فقد هجر دهلي إلى الدكن في جنوب الهند (801هـ) وألف بالعربية والأردية والفارسية ، ومن كتبه العربية : المعارف شرح العوارف، وهو شرح لكتاب شهاب الدين السهروردي ، كما كتب شرحا للرسالة القشيرية. 

ومن العلماء العرب الذين هاجروا إلى الهند وعاشوا فيها بدر الدين بن أبي بكر بن محمد القرشي المخزومي الإسكندري ثم الهندي المعروف بابن الدماميني، وهو من أئمة علماء النحو والمعاجم والفقه والحديث، ولد بالإسكندرية عام 763هـ وتعلم في القاهرة ثم رحل إلى مكة وعمل بالتدريس فترة في الأزهر، ثم عمل بالتجارة بعد أن عاد إلى الإسكندرية، بعدها سافر إلى الشام فالحجاز ثم الإسكندرية فاليمن ومنها إلى الهند حيث وجد ترحيبا شديدا في الكجرات سنة 820هـ فكان يؤلف ويدرس وتوفي في مدينة كلبركه الشهيرة في حيدر آباد سنة 827هـ وكان شاعرًا مجيدًا ، وله كتب كثيرة هي شروح على كتب أخرى مثل : مصباح الجامع شرح صحيح البخاري، وشرح القصيدة الخزرجية، وتعليق الفوائد شرح كتاب ابن مالك تسهيل أو تحصيل الفوائد، وكتاب المنهل الصافي وهو شرح لكتاب محمد بن عثمان البلخي، وكتاب : السواقي وقد أهداه إلى أحمد شاه بهمني والي الدكن وهو كتاب في النحو. 

ومن علماء العرب المهاجرين أيضا علي بن أحمد المهائمي الشافعي الناطئي الدكني ( توفي 835هـ بالدكن) وهو فقيه ومفسر للقرآن، وهو تفسير مشهور بالهند يقدره علماء الهند كثيرًا، وقد طبع التفسير بالقاهرة في مجلدين على نفقة جمال الدين وزير بهوبال وله كتب في الفقه كثيرة، ومن علماء تلك الفترة قاضي شهاب الدين دولت آباد، له مؤلفات في النحو والفقه مثل: إرشاد النحو، وله شرح كافية ابن الحاجب باسم الشرح الهندي، كما كتب شرحًا لقصيدة كعب بن زهير التي كتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، طالبا العفو، وله أيضا رسالة في تفسير العلوم وشرح أصول البزدوي في الفقه وغيرها. 

أما أبو لفتح ركن الدين ناكوري فله : االفتاوى الحمادية التي تعد من أهم ما كتب في شبه القارة الهندية عن الفقه الحنفي.

ومن علماء هذه الفترة أيضا الشيخ عبدالله عثمان تلنبي الذي كتب رسالة بعنوان: ميزان المنطق ، طبعت في دهلي وشرحها بعد ذلك وطبعها في دهلي أيضا سنة (1261هـ ) أما شيخ الدين المعبري فهو عالم له مؤلفات كثيرة منها: تحفة الأحياء ( في السيرة النبوية) وشعب الإيمان ترجمة كتاب بالفارسية بنفس الاسم لسيد نور الدين، وله تسهيل الكافية وقصص الأنبياء ، وهو شاعر مجيد بالعربية، وقد طبعت شروح لقصائده منها : شرح للسيد أبي بكر الدمياطي المصري بعنوان : كفاية الأتقياء في منهاج الأصفياء، طبع في مصر عام (1300هـ) والشرح الثاني لمحمد نووي الجاوي طبع بمصر (1301هـ) باسم سالم الفضلاء، والثالث لابن المؤلف ويدعى: عبدالعزيز المعبري كتبه سنة 990هـ طبع بمطبعة بولاق سنة 1292هـ . 

المكتبة العربية في شبه القارة الهندية .. (قبل قيام الدولة المغولية في الهند)

هل كانت هذه الصفحة مفيدة؟ نعم لا

من فضلك أخبرنا بالسبب (حدد خيارين كحد أقصى)

إغلاق Close

أدوات إمكانية الوصول

Ehsan Logo

ابحث هنا