الكتابة والتأليف في التراث العربي

الكتابة والتأليف في التراث العربي

بقلم: الزبير مهداد

تحدث كثير من الرحالة والمؤرخين بإعجاب شديد عن المكتبات العربية وخزائن الكتب التي اشتهرت بها كثير من الحواضر والمراكز العلمية، وكانت تدعم الحركة الثقافية والتعليمية، وتوفر المعلومات لطالبيها، وتحفظ تراث الأمة الفكري والأدبي والعلمي. 

واعتبارًا لأهمية الكتب قل أن توجد مدرسة أو مسجد دون أن تحوي خزانة للمخطوطات ميع المؤسسات كانت تحتوي على مكتبات، أو على الأقل على ركن معلوم يحتوي الكتب متاح لرواد المؤسسة إلى جانب المكتبات الشخصية التي كانت تزخر بها قصور الأمراء وبيوت العلماء. 

هذه المكتبات تقف خلفها في شموخ جهود كثير من الناس، وأكثرهم اشتغل في الظل، فهناك الدباغون وصناع الرق والورق والمسفرون المجلدون، وصناع الحبر، والنساخ، والمؤلفون وغيرهم. 

فالكتاب حظي دومًا باهتمام الناس ومباركتهم والعناية به، وتوفير ظروف وشروط إنتاجه، فاجتهد العلماء والأدباء في تصنيف كتب تستجيب لحاجات الناس، وراعوا في تصنيفها مستوياتهم العقلية واللغوية، وحرصوا على تقديم المعرفة المطلوبة، في شكل منظم وبأسلوب يساعدهم على استيعابها وفهمها وحفظها. ، ويميز المؤلفون بين التقييد والتدوين والتأليف. 

1-   التقييد: التقييد يعني الكتابة ، وهو تدوين لرواية أو معلومة تلقاها المدون من راوية، أو التقطها من محدث أو وجدها في رقعة حفاظا عليها من الضياع بسبب النسيان أو غيره، وقد مثل العرب العلم بالصيد ، وجعلوا الكتابة له كالقيد الذي يحفظه ويمنعه من الهرب الذي هو النسيان، وفي ذلك قال القائل: 

العلم صيد والكتابة قيده

قيّد صيودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أن تصيد غزالة

وتتركها بين الخلائق طالقة 

 

وكان التقييد يتم في اللوح أو العظم أو الورق أو غيره، وهو ما يستفاد من قول الإمام الشافعي: 

" دخلت المسجد وكنت أجالس العلماء، وأسمع الحديث أو المسألة، وكان منزلنا في شعب الخيف، وكنت أنظر إلى العظم يلوح، فأكتب فيه الحديث أو المسألة، وكانت لنا جرة قديمة فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة" .

والتقييد لا يرقى إلى مستوى التأليف إلا أن أهميته العلمية لا تخفى على أحد، لذلك وحرصا على جودته، وضع له العلماء جملة من الشروط المتعلقة بالخط وأحكامه وطريقة الكتابة منها تبيين الخط وتجويد الكتابة واجتناب الكتابة الدقيقة وعدم قرمطة الحروف، وإعجام المشكل واستعمال علامات الترقيم ووضع الحركات وضبط الملتبس من الكلمات والأسماء وغير ذلك من الشروط والمواصفات.

 

2-   التدوين: إن التقييد هو نقل المعلومة من حالها الشفاهي إلى حال الكتابة، والاكتفاء بذلك دون شيء آخر، أما التدوين فمرحلة تالية للكتابة ويكون بجمع الصحف المكتوبة، في ديوان بحفظها، فالشعر الجاهلي تلقاه الناس سماعا من رواته، ثم قيدوه في الرقع والصحائف والألواح أو العظام أو غيرها، ثم جمعت التقييدات المشتتة ودونت في الدواوين، وكذلك السنة النبوية الشريفة، تلقاها الناس سماعا من أفواه الرواة، ثم قيدوها ثم دونوها، " فالتدوين هو تقييد المتفرق المشتت وجمعه في ديوان أي في كتاب، تجمع فيه الصحف، فيضم الشمل ويحفظ من الضياع" ، والجمع قد يخضع لنظام معين فيكون مرتبا في أبواب وقد لا يخضع. 

3-   التأليف: التأليف مصدر ألّف ، جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، وقال أبو البقاء: أصله الجمع بين شيئين فصاعدًا، على وجه التناسب، على هذا يكون التأليف أهم من الترتيب، في الحقل المعرفي التأليف معنهاه كتابة فصول في الأدب والعلم وجمعها في كتاب، وقد وضع العلماء المبادئ في التأليف وهي (الرؤوس الثمانية)، في علم التأليف " فإنها مما يعين على فهم ما في الكتاب معرفة ليست باليسيرة" وهم يذكرونها في صدر الكتاب، وهي الغرض من التأليف والمنفعة التي ترجى منه، والعنوان الذي يدل على موضوعه، وبيان الطريق المسلوك في تحصيل المقصود الذي ألف من أجله، ونوع العلم وموضعه واسم المؤلف ومرتبة الكتاب في سلسلة تحصيل العلم ثم قسمة الكتاب بالأجزاء وتبويبه، وبيان أقسامه وفصوله. 

كما ذكر العلماء أن للكتابة سبعة أغراض وهي: ( شيء لم يسبق إليه فيؤلف، أو شيء ألف ناقصا فيكمل، أو خطأ فيصحح، أو مشكلا فيشرح، أو مطولا فيختصر، أو مفترقا فيجمع، أو منثورا فيرتب ) وأضاف إليها آخرون غرضا ثامنا، وهو تعيين المبهم، ولعل أبا حيان التوحيدي وابن سيد الناس وغيرهما قد نقلوا هذه الإضافة عن ابن حزم الأندلسين الذي يعود إليه الفضل في التذكير بهذا الغرض الثامن، وأضاف غيرهم غرضين آخرين وهما: نثر المنظوم لشرحه وتوضيحه، ونظم المنثور لتسهيل الحفظ وتيسير الاستظهار وقد اختار العلماء الأراجيز لنظم المنثور. 

 

من الأرجوزة إلى الألفية: 

الأرجوزة هي القصيدة المنظومة على بحر الرجز، وجمعها أراجيز وهي نوعان نوع تكون فيه الأبيات الشعرية مصرعة كل مصراعين على قافية واحدة، وتسمى المزدوجة، وهي كثيرة الشيوع في الشعر التعليمي وذلك لسهولة نظمها بالخروج على وحدة القافية وبكثرة الزحافات والعلل التي تدخل على بحر الرجز، ولخفة إيقاع هذا البحر وسهولته، يقول ابن سينا: " وينبغي أن يروي الصبي الرجز ثم القصيد، فإن رواية الرجز أسهل وحفظه أمكن ل، بيوته أقصر ووزنه أخف" . وهذه الخصائص هي التي جعلت المؤلفين ينظمون موضوعات العلوم في تشكيل أراجيز قابلة للحفظ ويطلق عليها في الحقل التعليمي أحيانا لفظ " المتون" و" المنظومات" كما حظيت باهتمام وعناية الشراح الذين اجتهدوا في شرحها لتيسير فهمها على الطلاب. 

وقد تطول الأرجوزة حتى تبلغ ألف بيت فتسمى حينئذ ألفية وأقدم ما عرف من الأراجيز ألفية ابن سينا في أصول الطب وألفية ابن معط في النحو والآملي في فرض الصلاة اليومية وغيرها وأشهر الألفيات على الإطلاق : ألفية ابن مالك التي صارت المرجع الأساس للنحو في العصور المتأخرة وألفت حولها عشرات الشروح المطولة والمختصرة. 

من المبسوط إلى المختصر: 

عني العلماء بالمعارف كلها: الدينية واللغوية والتاريخية وغيرها، فدونوا الروايات والأسانيد ونقلوا بالترجمة آثار الحضارات والشعوب الأخرى، فتوسعوا في بعض المصنفات بشروحهم وتعليقاتهم وحواشيهم فأثروها وأكملوها كما اختصروا بعض المصنفات التي رأوها كبيرة يصعب على القراء استيعابها .

وحرص شيوخ العلم على توفير الكتب المناسبة لمستويات الناس المختلفة ما بين مبتدئ ومتوسط ومنته، ومن ذلك ما صنفه ابن قدامة في فقه الحنابلة على الترتيب المقنع، ثم الكافي، ثم المغني، وهم يقسمون الكتب إلى ثلاثة أقسام:

1-   المختصر: يجعل تذكرة لرؤوس المسائل تفيد المبتدئ في التعلم، وتنفع المنتهى في استحضار العلم.

2-   المتوسط: وهو كتاب يجمع ما يحتاج إليه من مقاصد العلم بلا تطويل غير نافع، ولا اختصار لا يوصل مادة العلم. 

3-   المبسوط: وهو الذي يحوي مادة العلم وما يتعلق بها من فوائد وضوابط ومسائل ونكات وفروع، وما يتصل بها من معارف وأشياء. 

والكتب المبسوطة كان يطلق عليها (أمهات الكتب) لأنها مصادر أساسية للعلوم، التي تختص بها ، على جانب الأصول التي يرجع إليها في مختلف العلوم الفقهية والحديثية واللغوية، إلا أن مفهوم أمهات الكتب في عصر الانحطاط أصبح مرادفا للمتون التي تختصر تلك الأصول وتحفظ عن ظهر قلب، مثل مختصرات ابن الحاجب وخليل، وفي بعض كتب التراث يقع أحيانا التمييز بين الأمهات الكبرى والأمهات الصغرى. 

كتب المختصرات انتقدها كثير من العلماء وذكروا ما تحدثه من فساد وتشويه في العلوم، وتكريس للتقليد وإلغاء للاجتهاد لانها تفتقد الأمانة العلمية والتوثيق والتخريج، وتحتاج إلى شروح وتفسيرات مطولة، يقول المثري:" استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها، ونسبوا ظواهرها ما فيها إلى أمهاتها وتركوا الرواية وكثر التصحيف، وانقطعت سلسلة الاتصال فصارت الفتاوى تنقل من كتب لا يدري مازيد فيها مما نقص منها، لعدم تصحيحها فاقتصروا على حفظ ما قل لفظه ونزر حظه وأفنوا أعمارهم في حل لغوزه وفهم رموزه ولم يصلوا إلى ردها ما فيه إلى أصوله بالتصحيح فضلا عن معرفة الضعيف من ذلك والصحيح، بل هو حل مقفل وفهم أمر مجمل، مطالعة تقييدات زعموا أنها تستنهض النفوس.

وعلى الرغم من ذلك فإن بعض العلماء كانوا يرون أنهم باختصارهم المصنفات الكبيرة، إنما يقدمون لطلبة العلم، خدمة جليلة وفي ذلك قال الفاسي في إضاءة الراموس : " واختصار المطولات هو أحد الوجوه التي يحسن التصنيف لأجلها، وإلا فإنما هو تسويد بياض وضبط في غياض" .

 

لمن يؤلف وكيف؟

كان بعض المؤلفين يصنفون كتبهم في أسماء بعض الأمراء أو السلاطين، الذين كانوا يتقبلون ذلك بفخر ويجزلون العطاء للمؤلفين، مكافأة لهم على الجهد العلمي، وعلى تشريفهم بإهداء الكتاب لهم، كما أن بعض المؤلفين كانوا يكتبون لأبنائهم وأصدقائهم ، وأحيانا قد يؤلفون لأنفسهم " ومن لطيف ما جاء في مقدمة كتاب الحيوان للدميري قوله :هذا الكتاب لم يسألني أحد تأليفه" .

أكثر المؤلفين كانوا يكتبون في منازلهم، أو في مقرات إقامتهم بالمساكن الملحقة بالمؤسسات التي يشتغلون فيها كالمدارس أو الخوانق والزوايا وغيرها، وأحيانا كانوا يختارون خلوة، يتفرغون فيها للكتابة، ولا يشغلهم عنها شاغل، مثلما فعل ابن خلدون حين تنسك بمغارة في فرندة غرب الجزائر وفيها ألف تاريخه الشهير. 

وهناك من كان يجعل دروسه، عبارة عن محاضرات تجمع في كتاب يطلق عليه ( الأمالي) وهي المحاضرات التي كان يمليها الشيخ على تلاميذه في مجلس أو في مجالس، وفي أيام معينة أو في مواسم خاصة عن ظهر قلبه أو عن كتابه .

وهذا النوع من التأليف لم يتصد له إلا الفطاحل من العلماء لاعتماده على الحفظ والذاكرة المتوقدة، وهو مستحب عند المحدثين، وإن استخدمه اللغويون إلى القرن الرابع الهجري وبقي إملاء الحديث إلى قرون متأخرة. 

وعادة الفقهاء عند الإملاء أن يتخذوا مستمليا متيقظا يبلغ من المملي، وإذا كثر الجمع لا يكفي مستمل واحد، اتخذ مستمليين  فأكثر، فقد أملى أبو مسلم الكجي في رحبة غسان وكان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد صاحبه الذي يليه وحضر عنده نيف وأربعون محبرة سوى النظارة، وكان يحضر مجلس عاصم بن علي أكثر من مائة ألف إنسان ، وكان يختم الإملاء بحكايات ونوادر وإنشادات بأسانيدها كعادة الأئمة في ذلك. 

 

الكتابة والتأليف في التراث العربي

هل كانت هذه الصفحة مفيدة؟ نعم لا

من فضلك أخبرنا بالسبب (حدد خيارين كحد أقصى)

إغلاق Close

أدوات إمكانية الوصول

Ehsan Logo

ابحث هنا