الحياة اليومية في البادية ،، بادية العراق والجزيرة العربية

الحياة اليومية في البادية ،، بادية العراق والجزيرة العربية

حجاج سلامة

في كتابه "الحياة اليومية في البادية.. بادية العراق والجزيرة العربية"، يستحضر لنا الباحث على عفيفي علي غازي، صورة حياة لبدو العراق والجزيرة العربية من الشفق إلى الغسق، ناقلاً لنا تفاصيل وتيرتها اليومية بداية من الاستيقاظ المبكر، ومروراً بالمأكل والمشرب والملبس، ثم طقوس الضيافة حتى يُنيخ البدوي دابته ويُخيّم وينام.

ويحتوي الكتاب الصادر ضمن سلسلة كتاب المجلة العربية، والمكوّن من 120 صفحة على مقدمة و6 أبواب، تتناول موضوعات عدة هي: النوم، والمأكل، والمشرب، والملبس، والمجلس، والمخيم.

وبحسب مقدمة الكتاب، فإن الحياة اليومية البدوية عادية ولا تنطوي على مشاهد عنف، فشيخ العشيرة يجلس تحت خيمته يُلطف المشاهدات ويُقر السلام ويعيد الوئام بين قوم سريعي الغضب، وهو بإيجاز يباشر مهام كبير القضاة.

 وبحسب أبواب وصفحات الكتاب، فإن حياة البدوي لا تتعدى أن يأكل وتأكل ماشيته وأن يجد حطبا يتدفأ به، ولذلك لا يوجد في حياته الاقتصادية تعقيد، ولكنه مع ذلك كثيرا ما يصبح مهدداً بحرمانه من هذه المتطلبات البسيطة عندما تتجهّم له الصحراء، وتجف هواطل السماء فلا تجود بالغيث، فيجد نفسه وماشيته جائعين وأحيانا ظمأى، وحينها يجد نفسه يقوم بالغزو بلا غضاضة من أجل أن يوفر ضروريات الحياة.

ويدلنا الباحث على عفيفي علي غازي، عبر كتابه "الحياة اليومية في البادية.. بادية العراق والجزيرة العربية"، أن البدوي يستيقظ في الصباح الباكر، إذ يبدأ يومه في الرابعة صباحاً حيث يقوم أحد الخدم برفع الأذان فيستيقظ المخيم كله بالرغم من استمرار الظلام، وتؤدي النساء الصلاة أيضاً، ولكن في خيمتها ثم تقوم المرأة بخض اللين، وهي تغني على إيقاع اهتزازه أغنية خاصة حسب القبيلة التي تنتمي إليها، وبعضهن لا يغنين.

 ويبدأ البدوي يومه بأن يجلس على الأرض. ويشرب (طاسة) من اللبن، ثم يأمر ربة البيت بتحضير القهوة المرة أو الشاي، وتقديمها لرعاة الأغنام والإبل الذين يبدؤون يومهم مع خيوط الفجر الأولى، وتقدم لهم حفنة من التمر يأكلون قسماً منها، ويضعون الباقي في حقيبة جلدية صغيرة كمؤونة لليوم بأكمله، وفي حال عدم وجود القهوة تقدم لهم إناء من الحليب.

ويقوم خادم، مهمته أن يُحضر الماء، بتحرير الحملان المربوطة في حبل الخيمة المركزي، لكي ترضع من أمهاتها، ثم يُعيد ربطها إلى نفس الحبل، وبعد انتهاء الرضاعة يتم عد الأغنام لمعرفة ما إذا كان الذئب قد اختطف إحداها ليلاً، ثم تخرج للرعي برفقة صبي راع. ويخرج الشباب لرعي الإبل: بينما تخرج الشابات لرعي الأغنام، ويقوم الصبي الراعي بتسلية نفسه بطريقة أو بأخرى حتى تبزغ الشمس التي تجعله ميالاً للاستراحة. عندها يغرس عصاه في الأرض. ويُعلق عباءته عليها، ليخدع الأغنام ويوهمها بأنه يراقبها ويمنعها من التجول بينما يستغرق في النوم، وليس هناك من خطر في النهار طالما أنه على مرمى النظر من المخيم. 

ويواصل مؤلف الكتاب رسم صورة لنا عن حياة البدو في بادية العراق والجزيرة العربية قديماً، فيخبرنا بأنه حينما ترتفع الشمس في الأفق، تقوم العائلة البدوية بتناول إفطارها، وهو إفطار هزيل يتألف من قليل من القهوة أو الشاي دون الحليب، وبعض التمر، أو بعض الخبز. بعد ذلك تخرج فتاة البيت بصحبة أختها الصغرى أو ابنة الجيران بقصد جمع حاجة اليوم من الحطب ونبات العرفج، وهي شجرة تنتشر في الكثبان الرملية الخالية من الملوحة، وتستخدم أوراقها في الطب الشعبي، فيما تستخدم سيقانها الجافة كوقود، ويرافق الفتيات بعض الأطفال بين سن الخامسة والعاشرة، وذلك للبحث عن زهرة مبكرة أو "الكمأة" وهي اسم ينتمي لعائلة من الفكريات، وبعد مرور ساعتين تعود الفتيات، وكل منهن تحمل شجيرات العرفج فوق رأسها، ويلي الفتيات الأطفال المتعبون الذين رافقوهن.

وأما سيدة البيت فليست كسولة، إذ إنها تقوم خلال هذه الفترة بعرض مفروشات النوم للشمس، وتنظيف الأواني التي أعد فيها عشاء الليلة السابقة، وإعادة ترتيب محتويات الخيمة، كما ترسل الراعي الاحتياطي الإحضار الماء من أحد الآبار، التي ربما تكون على بعد عشرة أميال ويخرج الرجال إلى أعمالهم.

وفي الظهيرة، وبحسب صفحات "الحياة اليومية في البادية.. بادية العراق والجزيرة العربية"، لمؤلفه الباحث على عفيفي علي غازي،

يتناول البدو طعام الغداء، ويشربون الدخان، ويتسامرون إلى أن تغيب الشمس فيمتد السعر، وتحلو الأحاديث حول النار المشتعلة " أما إذا كانت العائلة فقيرة فلن تكون هناك وجبة عند الظهيرة بل عليهم الانتظار حتى غروب الشمس وتقوم ربة البيت بعد هذه الوجبة بتنظيف أواني الطبخ ثم تعمل على حياكة أقمشة تحتاجها الخيمة، أو قاطع أو مسند ربما تبيعه عند زيارتها للمدينة.

ووفقا لنصوص الكتاب، فإنه عند غروب الشمس، يترقب الجميع عودة سيد البيت، وعند اقترابه من المخيم تنيح الكلاب، ويندفع الأطفال للقاء أبيهم، بينما تأمر الزوجة بتحضير القهوة، وعندما يترجل عن فرسه تقوم الزوجة والابنة بأخذ الفرس، وتضع على ظهرها (الجلال)، وبعد أن تشرب الفرس يُوضع لها قيد حديدي، وتترك مع وجبة من الشعير إذا كانت العائلة ميسورة، وإلا فلا تعطى شيئاً، وعند وصول الإبل للمخيم، تؤخذ بعناية إلى مقدمة الخيمة حيث تناخ في نصف دائرة، ورؤوسها تقابل الجهة المفتوحة من الخيمة من أجل حمايتها وتأمين الدفء، فالخيمة تحميها من برودة الليل، والإبل تفضل أي ملجأ من ربح الليل الباردة ما دامت ثبيت في العراء. وبعد ساعة من غروب الشمس، وبعد أن يرسخ الليل أقدامه، تعود الأغنام وهي تنادي على حملانها لتشبع بطونها الجائعة بعد انتظار في المخيم طيلة اليوم، وتدخل الأغنام في نطاق نصف الدائرة التي شكلتها الإبل، حيث تتحرر الحملان وبعد أن تحصل على كفايتها، يقوم الرعاة بإعادتها إلى داخل الخيمة، وربطها فيها.

وهكذا ينقلنا مؤلف كتاب "الحياة اليومية في البادية.. بادية العراق والجزيرة العربية"، من محطة إلى أخرى، راسماً لنا صورة كاملة عن حياة البدو في بادية العراق والجزيرة العربية قديما، وهي حياة جذبت الكثير من الرحالة والمستشرقين والباحثين الذين أثروا المكتبة العربية والعالمية بمؤلفاتهم التي باتت مصدراً لجموع الباحثين والمثقفين المهتمين بحياة البدو في باديتنا العربية قديما.

الحياة اليومية في البادية ،، بادية العراق والجزيرة العربية

هل كانت هذه الصفحة مفيدة؟ نعم لا

من فضلك أخبرنا بالسبب (حدد خيارين كحد أقصى)

إغلاق Close

أدوات إمكانية الوصول

Ehsan Logo

ابحث هنا