الحياة العلمية في مكة المكرمة ما بين سنتي 1105هـ - 1334هـ 1703م1916-م

الحياة العلمية في مكة المكرمة ما بين سنتي 1105هـ - 1334هـ 1703م1916-م

د. عبدالكريم أبراهيم السمك

قال العلماء في الأصول، الجهل ليس عذراً في ديار الإسلام، ولهذا فقد سمت أمة الإسلام في حضارتها على سائر الحضارات الإنسانية عند ما خصها الله برسالة السماء إلى الأرض، وهي رسالة القراءة والعلم، ليقوم دين الله وشريعته على العلم، وهذه الصورة العظيمة في مكانة القراءة، بريد التعلم والعلم تتعاقب ما تعاقب الليل والنهار، حتى يبعث الله الأرض ومن عليها، قد جسدتها واقعة جبريل عليه السلام مع رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، عندما نزل عليه في غار حراء، وقال له؛ اقرأ، فكان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لست بقارئ، فتلك هي رسالة السماء للأرض، القراءة والعلم، يقوم عليهما سنام دين الله وشريعته، والعلم بقوانين الحياة التي أوجدها الله سبحانه وتعالى.

الكتاب في منهجيته وموضوعيته:

أصل الكتاب كان رسالة علمية بحثية لدرجة الدكتوراه في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، وقد وفقت الدراسة بها، كما وفقت الباحثة بمن أشرف عليها، فمن حيث خطة الدراسة التي رسمت الإطار العلمي والموضوعي والمنهجي، فقد كانت على خير ما يرام، وكما أشارت هي لنفسها عن مرحلة الماجستير، في دراستها لمدينة الإسكندرية في العصر المملوكي، فكانت هذه المرحلة في دراستها قد فتحت الأبواب عليها في الكتابة بموضوعية ومنهجية، يدفعها في هذا الباب شغفها وحبها في المزيد من عطاء هذا النوع من الدراسة، فجاء اختيارها لمدينة مكة المكرمة مهد والدتها، والأرض التي نشأت وتربت فيها، وهذا جانب من جوانب نجاحها في صياغة نص الدراسة بهذا الشكل العلمي، ويلحق به ثقتها بنفسها في بناء النص المعني بالدراسة، فجاء البناء للموضوع جيداً بحيث تناولت في فصوله الأربعة، وما يلحق بها من مقدمة وعرض وتعريف وخاتمة، صورة نص الموضوع علمياً ومنهجيا، بحيث خدمت مكوناته وأسسه بعضها بعضا، حتى تم إخراج الدراسة بهذا الشكل العلمي الجيد، ليأخذ مكانته في المكتبة التاريخية لمكة المكرمة.

الدارسة وأهميتها:

في احتفالية السفارة السعودية بموسكو، باليوم الوطني للمملكة العربية السعودية في عيدها الخامس والثمانين، والذي أقامته السفارة في موسكو، فقد أهدي إلي الكتاب المشار إليه بعنوان الدراسة في مجلديه، ولدى اطلاعي عليه وتصفحه وجدت أن الكتاب يستحق القراءة والتعريف به، وذلك تمشيا مع باب من ذاكرة التاريخ الذي واكب المجلة وسار معها من بدايات النشأة، فالكتاب حاضن لفترة تاريخية مهمة في تاريخ مكة، في جميع جوانبها السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية، وما تركته هذه الجوانب من آثار في الحياة العلمية ونهضتها، وقد بلغ عمر الفترة هذه في السنوات الهجرية 219 سنة وميلادية 213 سنة فقدمت الباحثة صاحبة الكتاب مشكورة صورة عظيمة، عكست لنا واقع تلك الفترة علميا في ذاكرة تاريخ مكة المكرمة.

جاءت الدراسة في سمو مكانتها وقدرها العلمي، لتقدم لنا وللباحثين ما هم بحاجة إليه، وفي التعرف على واقع الحياة العلمية في الفترة التي حددتها الدراسة لتقدمها مجلة أحوال المعرفة على صفحاتها لقارئها الكريم، ويشكر مركز مكة المكرمة الذي كان وراء نشر هذا الكتاب، ضمن سلسلة منشوراته العلمية، والشكر موصول للباحثة د. آمال رمضان عبدالحميد صديق على جهدها الكريم في هذا الكتاب.

وقد جاء الكتاب في مجلدين كبيرين بلغت عدد صفحاته سبعة صفحات بعد الألف، احتوى على قاعدة وثائقية كبيرة، وصور وثائقية نادرة، وفهارس، وانتهى بكشاف عام، وكما هو مبين من الغلاف، فقد احتلت صور بوابة المدرسة الصولتية المكية غلاف الكتاب كما هو مبين، والتي تحظى بمكانة كبيرة في قلوب المكيين وفي تاريخ مكة المكرمة.

الحياة العلمية في جذورها التاريخية في مكة المكرمة:

ارتبطت الحياة العلمية في واقع المسلمين في مكة المكرمة منذ ولادة الإسلام، وقد حملت لنا السيرة النبوية الكريمة، صورة العلم في كتاب الله، على يد المعلم الأول رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الصورة الجميلة من حياة المسلمين في بداية ظهور الإسلام، تجسيد كبير لسمو رسالة العلم في المجتمع الإسلامي، وبهذا تكون مكة أول حاضنة لمدرسة تعليمية كان المعلم فيها نبينا الكريم عليه صلوات الله، ومع انتقال المسلمين إلى المدينة المنورة، فقد سمت الرسالة التعليمية في المجتمع الإسلامي الذي جسد فيها سمو الرسالة الإلهية، وهي الإسلام في ميزان الحضارات الإنسانية الوضعية، فهو هوية هذه الأمة على أنها أمة علم وتعلم، وعلى هذا تكون مكة المكرمة بعد قيام الكيان السياسي لدولة الإسلام الركيزة الأوىل في مكانتها العلمية في التاريخ الإسلامي. وقد تعاقب على مكة في تاريخها في ظل الإسلام، عصور وأدوار تاريخية متنوعة ومتعددة في بعدها السياسي، لكن العلم لم يتأثر بواقع ما عرفته مكة من أدوار وأطوار تاريخية، حتى لآ الأمر في مكة وحاضنها إقليم الحجاز، بتوحيده بنجد على يد الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله، وفي ظل هذا العهد الكريم، ومن بداياته الأولى كان الملك قد أولى مكة والحجاز الاهتمام الخاص برسالة التعليم، ويحضرني في هذا الجانب في ذاكرتي من خلال مدونة المرحوم أمين سعيد عن تاريخ المملكة، في مجلته الشرق الأدنى، إناطة الملك عبدالعزيز بالشيخ محمد كامل القصاب الدمشقي، إدارة تعليم الحجاز وبهذا التكليف الكريم من الملك رحمه الله، أعاد لمكة المكرمة مكانتها العلمية والتعليمية في تاريخها الذي سبق لها وعاشته، واليوم تعيشه في كنف الرعاية السعودية الكريمة.

الفترة الزمنية التي عنتها الدراسة:

إن المتتبع للفترة الزمنية التي تناولتها الدراسة، يجد أنها قد بلغت في سنواتها 219 سنة هجرية أو 213 سنة ميلادية، والذي يعود للفترة هذه في ذاكرة التاريخ سواء كان حجازيا أم عثمانيا، يجد بأن الحياة العلمية كانت تسير بطريقها الصحيح، غير متأثرة بالعوامل السياسية والصراعات والحروب العسكرية، التي كانت تعيشها الدولة العثمانية، أو الوقائع التي عرفها إقليم الحجاز، وفي هذا الجانب العلمي من تاريخ الحضارة الإسلامية، ومن تاريخ مولدها، يجد الباحث بأن الأحداث عامة لم تكن معِطلة في هذا الجانب، ففي كل العصور والأحقاب التاريخية الإسلامية، كانت الحياة العلمية بمعزل عن الذي يجري بمحيطها، وإن كان يحصل بعض الركود، لكن لم يكن معِطلا للحياة العلمية، وعلى هذا الحال، كان الحجاز في هذا الجانب من حياته العلمية، وما جاءت الدراسة عليه تشير إىل ذلك، وقد تم توثيق واقع الحياة العلمية هذه في جميع جوانبها الفاعلة فيها، سواء ما كان مرتبطاً بالوضع المالي أم بالسلاطين العثمانيين أم بأشراف مكة، وما يتبع ذلك في هبات المحسنين من المسلمين من داخل مكة وخارجها، في سبيل النهوض بالعلم في المجتمع المكي.

وفي مجال التعليق على الفترة الزمنية في الكتابات التاريخية، وفيما يخص الدراسة في فترتها الزمنية، فإن تحديد الفترة الزمنية في بداية ونهاية الكتابة، هو شرط علمي يفرضه منهجية البحث العلمي في الكتابات التاريخية، وقد راعت الدراسة هذا الجانب المنهجي، في تكوين بنيوية النص، بتاريخ زمني تم تحديد فترته كما هو مشار إليه.

فصول الكتاب:

بعد مقدمة صاحبة الكتاب، جاء تمهيد مسبق على فصول الكتاب  الأربعة، والتمهيد قام على قاعدتين الأولى: بينت فيها الباحثة مكانة مكة الدينية كما أخبر بها القرآن الكريم، حتى آلت إلى أن تكون عاصمة للإسلام ورسالته، أما القاعدة الثانية: من التمهيد فقد تناولت فيها أربع فقرات وجاءت كالتالي: الأحوال الأمنية والسياسية والدينية واااقتصادية والاجتماعية في مكة المكرمة، فجاء التمهيد في سياق نصه كمدخل للدراسة، وذلك لأن أي دراسة علمية تاريخية بهذا الشكل، تكون غير مسبوقة بسياق تمهيدي على غرار هذا التمهيد، تكون في حالها غير علمية من الناحية المنهجية التي التقى عليها علماء مدرسة التاريخ اليوم.

وقد جاءت فصول الدراسة الأربعة على هذه المواضيع في مكوناتها على الشكل التالي:

الفصل الأول: عوامل ازدهار الحياة العلمية في مكة المكرمة، ويقوم هذا الفصل على الأصول التالية: اهتمام الدولة العثمانية بالتعليم وتلاه الأصل الثاني؛ الأسر العلمية في مكة ودورها في النهضة التعليمية، ثم تلاه موضوع رحلات الحج والعمرة ودورها في تنمية التواصل العلمي بين مكة وأقطار العالم الإسلامي.

الفصل الثاني: أماكن التعليم في مكة المكرمة، خلال الفترة الزمنية التي عنتها الدراسة، فجاءت هذه الأمكنة في كل من المساجد ويتقدمها الحرم المكي الشريف، ويليه سائر المساجد التي اهتمت وعنت بالتعليم والكتاتيب التعليمية، ثم المدارس ثم مجالس العلماء التعليمية في بيوتهم، ومع انتهاء الفصل الثاني انتهى المجلد الأول من الكتاب.

الفصل الثالث في الدراسة جاء معنيا بنظام التعليم والنفقة عليه، ولقد قام هذا الفصل على عدد من القضايا، والتي تمثلت بطرق التدريس، وحلقات الدراسة، والمدرسون، والوظائف التعليمية، وطلبة العلم والعلوم التي كانوا يدرسونها، في هذا النظام التعليمي، الذي كان سائدا في مكة يومها، وقد ابتدأ الجزء الثاني من الكتاب بهذا الفصل.

الفصل الرابع والأخير من الكتاب؛ كان معنيا في عنونته بالعطاء العلمي لعلماء مكة المجاورين للحرم، وغيرهم من الوراقين الذين ساهموا بقدر كبير في هذا العطاء العلمي، ثم مضت الباحثة في حصر وإحصاء المصنفات العلمية التي تنوعت في علومها وفنونها، كما تناولت الباحثة مشكورة، حصر المكتبات وخزائن الكتب الخاصة، وغير الخاصة، في مكة المكرمة، وانتهت في ختام الفصل، ببيان أثر علماء مكة من خلال التواصل مع علماء المسلمين الوافدين لمكة حجا أو عمرة، إلى ازدهار الحياة العلمية من خلال هذا التواصل، في مكة وخارج مكة في الأقطار والبلاد، التي قدم منها قاصدو مكة المكرمة.

وتكلمت الباحثة في ختام الفصل كذلك عن الإجازة العلمية التي كانت تعطى لطلاب العلم، وهي تماثل اليوم المؤهل الجامعي العالي، الذي يحصل عليه الطلاب، والذي لا يقل شأنا عن مرتبة الدكتوراة، في العلم الذي يجاز فيه صاحب الإجازة، والإجازة هذه تعتبر في تاريخ الحضارة الإسلامية، من أسمى الصور عن الجانب التعليمي والعلمي في تاريخ الحضارة الإنسانية، كان قد عرفها المسلمون في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام، فقد كانت سماعية، ثم أصبحت كتابية.

الوقف الإسلامي في مآثره العظيمة:

صورة من أسمى صور الإنفاق في المجتمع الإسلامي؛ ذلك هو الوقف الإسلامي، فقد تنوعت عطاءاته وتعددت في المجتمعات الإسلامية، وكان منها هذا الوجه النافع، في قضية العلم والتعليم، سواء ما كان منه في الإنفاق على الدارسين أو وقف أبنية للتعليم، وقد شاعت هذه الصورة في المجتمعات الإسلامية، ففي العهد العثماني، عرفت التكايا والأربطة والزوايا، كما عرفت الزوايا والكتاتيب والخلاوي، وفي مكة والحجاز عرفت الأربطة والتكايا والمدارس، وقد تركت الأربطة والتكايا هذه الأثر التعليمي الطيب في حياة مكة العملية.

وقد تم حصر الأربطة في مكة سنة (1301هـ - 1972م)، بما يصل عدده إلى مئة وخمسين رباطا،ً للفقراء والأرامل وطلبة العلم، وكان يأتي من مصر إعانات سنوية لهذه الأربطة، ومن هذه الأربطة على سبيل المثال:

* رباط السليمانية: نسبة للسلطان سليمان القانوني، وقد أنشأه ضمن مدرسته.

* رباط خصكي سلطانة: وقد أنشأته زوجة السلطان سليمان القانوني، وحتى يستمر هذا الرباط يف خدماته، فقد أوقفت له أبنية في مصر، ليكون صدقة جارية.

* رباط الداودية: نسبة لوالي مصر داود باشا (945 – 956هـ) (1538 – 1549)م. وكان هذا الوالي محبا للعلم والعلماء، وكانت مدرسته عند باب العمرة.

* رباط البصري أو رباط السادة: أنشأه الشيخ عبدالله البصري سنة (1160هـ - 1747م).

* رباط ألماظ آغا: وقد أوقف صاحبه رباطين يف مكة، سنة (1263هـ - 1846م).

وهناك العديد من الأربطة أشار الكتاب لها، وهي تربوا على المائة والخمسين رباطا، وكل هذا يأتي مع مآثر الوقف الإسلامي في رسالته الإجتماعية، سواء ما كان منها خدميا أو تعليميا أو غير ذلك من وجوه الأهداف الخيرية المرسومة له، وكان لكل رباط شخص مكلف يقوم عليه، ويتوىل مهام طلباته واحتياجاته من إصلاح ورعاية وإدارة له. 

الأسر العلمية:

أشار الكتاب في سياق نصه، إلى دور الأسر العلمية في مكة المكرمة، ودورها المباشر في النهضة العلمية عن طريق هذه الأسر، ومن هذه الأسرة المكية:

 أسرة بابصيل الحضرمية، وقد عرفت بعالمها وعميدها الشيخ محمد سعيد بابصيل الجفري المكي الشافعي ( ت: 1330هـ - 1911م)، وقد تلقى عليه العلم عدد كبير من علماء الحرم المكي، وثمة هناك عدد من الأسر عرف منها: (أسرة الحباب – أسرة الدهان – أسرة الريس أو الزمزمي – أسرة سراج – أسرة السقاف – أسرة سنبل – أسرة شطا – أسرة الشيبي – بيت المفتي أو الصديقي – أسرة الطبري-) وغيرهم، وهناك عدد من الأسر العلمية، وجميع هذه الأسر ترجم الكتاب لعلمائها وآثارهم العلمية في مكة المكرمة.

رحلات الحج والعمرة وأثرها في التواصل العلمي بين علماء مكة، وعلماء العالم الإسلامي:

كثيرة هي أغراض الحج والعمرة بالنسبة للحاج أو المعتمر، وكان من أغراضها مسألة العلم والتعلم والتعليم، حيث كان يفد إلى مكة العدد الكبير من علماء العالم الإسلامي، وفي مدة إقامتهم كانوا يتواصلون مع علماء الحرم، ويتبادلون معهم الرأي والمشورة، في القضايا العلمية، من علوم الفقه والسنة وعلوم القرآن وسائر العلوم الشرعية، وغير الشرعية كعلوم اللغة العربية وما يتفرع عنها، إضافة لعلوم الحساب والجغرافية، وعن طريق هؤلاء الحجيج، انتقلت الدعوة الإصلاحية، إلى عموم دول العالم الإسلامي، وبارك رسالتها وخطاها الكثيــر من علماء المســـلمين، في بقاع العالم الإســـلامي بعد أن أخذوا بها.

أما عن الأماكن التي يتم التعليم فيها، فقد كانت في طليعتها المساجد، وفي مقدمتها المسجد الحرام، حيث يتم التعليم فيه عن طريق الحلقات التعليمية لعلماء وأساتذة الحرم، وكما أشار الكتاب، فإنه في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، كان في الحرم المكي أكثر من مئة وعشرين حلقة تعليمية، ويتمتع الطلبة بيومي الثالثاء والجمعة كعطلة رسمية لمراجعة دروسهم، وكان المدرسون في هذه الحلقات من كبار العلماء المكيين، وهذا النوع من التعليم لم يقتصر على المسجد الحرام، بل عرفته معظم مساجد مكة.

ويأتي بعد نظام التعليم في المساجد، تعليم الكتاتيب المنتشرة في مكة، ومنها ما كان داخل الحرم ومنها ما كان خارجه، ومعظمها كتاتيب وقفية لمسلمين ميسورين، فهم إما من مكة أو من هم من خارجها من بلاد العرب والمسلمين، وقد أشارت الدراسة إلى أكثر من ثلاثين مركزاً تعليمياً لهذه الكتاتيب منتشرة في مكة، وقد تنوعت في رسالتها التعليمية، فمنها المتخصص بالخط العربي، ومنها ما هو متخصص بالحساب والعلوم الأخرى.

وهناك كتاتيب خاصة بتعليم البنات كذلك، وكلها كتاتيب وقفية، أوقفتها سيدات فضليات، فنسبت هذه الكتاتيب لهن، وحفظت بأسمائهن، وغالباً ما كان أصحاب هذه الكتاتيب لنساء عالمات بالشريعة وأحكام الدين، وقد عرفت منهن: (الفقيهة فاطمة هانم – والشيخة صالحة – والفقيهة خيرية خوجة – والفقيهة أمينة هانم البورصلية).

ومن مراكز التعليم كانت المدارس كذلك، ومكة دار الإسلام، عرفت أول مدرسة في تاريخ الإسلام الحضاري، في الجانب التعليمي، فقد كان المعلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي دار الأرقم بن أبي الأرقم، وهناك مدارس ملحقة بالحرم المكي، وعرف منها المدارس التالية "المدرسة الباسطية – المدارس السليمانية – المدرسة الداودية – المدرسة المرادية – مدرسة محمد باشا – والمحمودية – والمجيدية –" وغيرها الكثير، وكلها مدارس وقفية، وهناك مدارس تدرس العلوم العصرية، كعلوم الحساب والجغرافية والتاريخ وغيرها من العلوم المستحدثة، وهناك مدارس حرفية (كالمدرسة الصناعية)، و(مدارس ليلية)، وفي القرى المحيطة في مكة كان هناك فيها مدارس كذلك. وقد عرفت مكة المدارس الأهلية غير النظامية، كالمدرسة الصولتية، وقد أنشأها الشيخ الهندي محمد رحمت الله الهندي، الذي قدم مكة من بلاده الهند، سنة (1274هـ - 1857م)، وكان يدرس بالمسجد الحرام، وكان على درجة علمية عالية، وقد أسس أول مدرسة على نفقته الخاصة وبمفرده في جوار المسجد الحرام، وذلك سنة (1285هـ - 1868م)، ثم انتقلت المدرسة من مكانها، وكان رحمه الله ينقصه المال، وفي سنة (1290هـ - 1873م)، قدمت للحج (صولت هانم) من أهل كلكتا، فتكفلت بالمدرسة من باب الخيرية، والمدرسة تنسب لها، وكان لها مناهج تعليمية خاصة بها، كما وأن الدراسة عندها عرفت نظام المراحل "المرحلة التحضيرية – والمرحلة االبتدائية"، وهناك (المدرسة الفخرية) ومؤسسها الشيخ عبد الرحمن القاري، و(المدرسة الخيرية – مدرسة الخياط) نسبة لمؤسسها محمد حسين الخياط (ت 1330 – 1912م) و(مدرسة دار الفائزين) ومؤسسها عبدالخالق محمد البنغالي، وكذلك هناك (مدرسة الفالح) والذي أنشأها محمد على زينل، سنة (1330هـ - 1911م)، وهناك (مدرسة الطرابلسي).

طرق التعليم في مكة:

كان المجتمع الإسلامي مجتمع علم وتعليم، ولهذا لم ترتقي حضارة من الحضارات الإنسانية، بالشكل الذي ارتقت به الحضارة الإسلامية في باب العلم والتعليم، وهذا الجانب يوثقه الموروث العلمي الحضاري من تاريخ المسلمين، فمع نكبات المغول وحرائق المكتبات الإسلامية قديما وحديثا، لا زالت مكتبات العالم تتجمل، الموروث التعليمي والعلمي الإسلامي، وفي باب التعليم، تنوعت الأساليب، فكان أولها الملازمة والسماع لطلبة العلم، وقد عرفت الحياة العلمية في مكة،

ما درج عليه علماء السلف في أساليبهم التعليمية، مثل (المحاضرة – طريق العرض أو القراءة على الشيخ – طريقة السؤال والجواب – طريقة المذاكرة والمناظرة – طريقة الإملاء“، وهناك العديد من الأساليب التعليمية التي كانت تمارس في التعليم في مكة، ويعتبر تنوع طرق التعليم ضرباً من ضروب التطوير في أساليب التعليم، كالذي نشهده اليوم مع سياسة التطوير التعليمي المتغير وفق مستجدات العصر، سواء في الأمور التربوية أو التقنية أو الرقمية أو ما شابه ذلك، من الوسائط التعليمية الألكترونية. 

الوسائط المساعدة على النهضة العلمية والتعليمية:

اعتنى الجزء الثاني من الكتاب الذي بين أيدينا، بتقديم وحصر الوسائط المساعدة على التعليم، بل وساهمت بشكل كبير في الحياة العلمية ونهضتها، وتجىل ذلك بكثرة المؤلفات العلمية التي جاءت على يد أبناء مكة من أهل العلم، وقد تمثلت هذه الوسائط بما يلي:

الوراقون وهم نوعان: الأول من امتهن النسخ والكتابة، والثاني، من امتهن بيع الكتب، وهناك العديد من الأسر المكية من عملت بالوراقة بنوعيها.

المكتبات الخاصة والأهلية: التي وفرت لطلبة العلم الكتب للرجوع إليها من قبل الباحثين.

الطباعة: لعبت الطباعة دورا كبيرا في النهضة العلمية في أي مجتمع وصلت إليه ودخلته، وكان ظهورها قد ساهم بشكل مباشر في القضاء عىل مهنة النسخ، وقد عرفت مكة نوعين من المطابع، فالأول منها حكومي رسمي أقامته الدولة؛ ومنها كانت المطبعة التي أنشأتها الدولة العثمانية، وقد حملت إسم (حجاز ولايتي مطبعة سي)، وقد تولت طباعة (سالنامة الحجاز)، وهو تقويم الحجاز الخاص فيه، وكذلك طباعة الكتب الدينية، وطباعة الجرائد الأسبوعية وغير ذلك.

أما المطابع الأهلية في مكة، فمنها مطبعة الماجدية المنسوبة لصاحبها ماجد الكردي، والتي أنشأها سنة (1327هـ - 1909م)، وكانت في طليعة المطابع المكية، وقد سبق له أن اشترى مطبعة (شمس الحقيقة) التي كانت موجودة في مكة، وذلك سنة (1327هـ - 1909م)، وذهب صاحبها في تحديث آلاتها الطباعية، ومن أهم إنتاجاتها طباعة الصحف المكية بتعدد مسمياتها، ويلحق بها كذلك طباعة الكتب وما شابه ذلك.

وبعد فقد نقل الكتاب الصورة العلمية والتعليمية في الحياة المكية، فيما بين التاريخين الذين عناهما الكتاب، (1334-1105ه)، فكان كتابا جيدا في وفرة علومه ومادته في الإطلالة على الذاكرة التاريخية العلمية المكية والتعرف عليها من خلاله، ونحيي صاحبة الكتاب على هذا الجهد المبارك والكريم، كما نحيي مركز تاريخ مكة المكرمة، على تقديم هذا الكتاب إلى المكتبة التاريخية المكية، المعنية بواقع الحياة العلمية في ذاكرة الفترة التاريخية التي وضعت مع عنونة الكتاب من تاريخ مكة المكرمة.


الحياة العلمية في مكة المكرمة ما بين سنتي 1105هـ - 1334هـ 1703م1916-م

هل كانت هذه الصفحة مفيدة؟ نعم لا

من فضلك أخبرنا بالسبب (حدد خيارين كحد أقصى)

إغلاق Close

أدوات إمكانية الوصول

Ehsan Logo

ابحث هنا