هي جغرافيا الوصول إلى المقدس، حيث بيت الله الحرام والطواف حول الكعبة من أجل أداء فريضة الحج بكل شعائرها .. هذه الجغرافيا القديمة تمر بدروب ومسالك وتلال ورمال ، حيث الصحراء والبوادي ، حيث السهول والمفاوز ، كل هذه الرحلة التي كانت تقوم بها القبائل أو مجموعات الحجيج من مختلف البلاد العربية والإسلامية شكلت ثقافة كبرى مستمرة حتى اليوم هي: ثقافة الحج، وقبل أن تطور المملكة العربية السعودية سبل الوصول إلى مكة المكرمة وتوسع الحرم المكي بشكل غير مسبوق تاريخيا بدأت ثقافة أخرى هي ثقافة التكنولوجيا وسرعة وتيسير وصول الحجيج إلى البيت المعمور ، فكيف كانت الجغرافيا قديما وما هي أبرز طرق الوصول إلى الكعبة المشرفة؟
يُعدُّ الطريق الذي سار عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وصحابته عند فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، أول طريق يُقصد به المسجد الحرام بين المدينة المنورة ومكة المكرمة في عصر الإسلام، ونظرًا لاتساع رقعة البقاع الإسلامية، ظهرت الحاجة إلى التوسع في شبكة طرق الحج والتجارة.
سبعة طرق :
تعد طرق الحج القديمة جسوراً للتواصل بين الأمصار والبلدان والأقاليم الإٍسلامية، ومن هنا تمتزج المعارف وتتواصل الشعوب الإسلامية في مختلف بقاع الأرض، سواء عبر التفاعل الثقافي أو عبر التفاعل الاقتصادي ، حيث سلكت قوافل حجاج بيت الله الحرام منذ أن فرض الله الحج على المسلمين، تلك الدروب ملبية وميممة وجهتها لبيت الله العتيق، تهفو قلوبهم لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، فأقبلت وفود الحجيج من كل فج عميق.
وقد حفظت المصادر التاريخية سبعة طرق رئيسية كانت تأتي من أنحاء الدولة الإسلامية إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وهي:
أولا: طريق الكوفة / مكة المكرمة: , ويعد هذا الطريق من أهم طرق الحج والتجارة خلال العصر الإسلامي, واشتهر باسم " درب زبيدة " نسبة إلى السيدة زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد التي أسهمت في عمارته فخلد ذكرها على مر العصور.
واستخدم الطريق بعد فتح العراق وانتشار الإسلام في المشرق , وأخذ في الازدهار منذ عصر الخلافة الراشدة , وأصبح استخدامه منتظماً وميسوراً بدرجة كبيرة , إذ تحولت مراكز المياه وأماكن الرعي والتعدين الواقعة عليه إلى محطات رئيسة.
وذكرت المصادر التاريخية والجغرافية أن مسار الطريق خطط بطريقة عملية وهندسية فريدة ،حيث أقيمت على امتداده المحطات والاستراحات, ورصفت أرضيته بالحجارة في المناطق الرملية والموحلة , فضلاً عن تزويده بالمنافع والمرافق اللازمة من آبار وبرك وسدود .
كما أقيمت عليه علامات ومواقد توضح مساره ليهتدي بها المسافرون فمنذ بداية الدولة العباسية, أمر الخليفة أبو العباس السفاح بإقامة الأميال " أحجار المسافة " والأعلام على طول الطريق من الكوفة إلى مكة المكرمة, في عام 134هـ / 751 م .
ويبلغ عدد المحطات الرئيسة في هذا الطريق سبعاً وعشرين محطة , ومثلها محطات ثانوية تسمى كل منها " متعشى " , وهي استراحة تقام بين كل محطتين رئيستين , إلى جانب مسارات فرعية أخرى منها طريق معدن النقرة / المدينة, ويبلغ طوله ( 265 ) كيلو مترا , وأهم محطاته العسيلة , المحدث , بطن نخل , الحصيلك , المكحولين , السقرة , الطرق , الركابية , المدينة، هذا ويلتقي طريق البصرة مع طريق الكوفة في معدن النقرة .
ثانيا: طريق البصرة / مكة المكرمة ، ويعد الطريق الثاني في الأهمية , حيث يبدأ من مدينة البصرة مروراً بشمال شرق الجزيرة العربية عبر وادي الباطن مخترقاً عدة مناطق صحراوية أصعبها صحراء الدهناء , ثم يمر بمنطقة القصيم التي تكثر فيها المياه العذبة والوديان الخصبة والعيون , وبعدها يسير الطريق محاذياً لطريق الكوفة - مكة المكرمة حتى يلتقيان عند محطة أم خرمان " أوطاس " التي تقع على مسافة عشرة أميال من موقع ذات عرق .
ويلتقي طريق البصرة بالطريق الرئيس الممتد من الكوفة عند منطقة معدن النقرة التي يتفرع منها طريق يتجه إلى المدينة .
ويبلغ طول الطريق حوالي 1200 كيلو متر ولم يبق من آثار الطريق إلا بعض الآبار والسدود والقصور المهملة , وتوجد آثار مهمة للطريق في منطقة القصيم , ففي الأسياح توجد أطلال قصر كبير مبني بالحجارة له بقايا عقود نصف دائرية , وبالقرب منه آثار العيون والقنوات القديمة والبرك والسدود وفي ضرية لا تزال آثار البلدة القديمة باقية .
ثالثا: طريق الحج المصري ، ويسلكه حجاج مصر ومن رافقهم من حجاج المغرب والأندلس وأفريقيا في طريقهم إلى مكة المكرمة متجهين إلى شبه جزيرة سيناء للوصول إلى أيلة " العقبة " وهي أول محطة في الطريق ، وبعد أيلة تمر قوافل الحجاج على حقل , ثم الشرف ,ثم مدين " مغائر شعيب - البدع " .
واستمر سفر الحجاج على الطريق الساحلي حتى منتصف القرن الخامس الهجري ,ثم تحولوا إلى السفر بحراً عبر طريق عيذاب بسبب الأحداث التي شهدتها مصر في العصر الفاطمي
وظل الطريق البري الساحلي في خدمة قوافل الحجاج المصريين حتى عام 1310 هـ ، وبعد هذا التاريخ عاد الحجاج المصريون مرة أخرى إلى السفر بحراً من السويس إلى جدة على ظهر السفن البخارية و الشراعية .
وحظي طريق الحج المصري باهتمام الحكام المسلمين في الفترة الإسلامية المبكرة ، حيث أقاموا عليه البرك وحفروا الآبار ، ومهدوا العقبات الصعبة ، وبنوا المساجد في بعض محطاته , فقد نظف خمارويه بن أحمد بن طولون عقبة أيلة من الحجارة .
ووجدت مئات النقوش العربية على هذا الطريق ونقشها الحجاج على صخور في محطاته وعلى طول مساره تذكارا لمرورهم, وتوجد أيضاً آثار معمارية ترجع لتلك الفترة بعضها على مسار الطريق الداخلي مثل بركة النابع الواقعة جنوب مدينة ضباء, وبركة بدا ، وآبار بلاطة ، وبعضها الآخر على المسار الساحلي مثل بركة مدين ، وبركة الجار ، هذا فضلا عن المدن التي كانت عامرة على الطريق مثل مدين ، وعينونا ، والعونيد ، والحوراء ، والجار، والجحفة ، وشغب ، وبدا .
رابعا: طريق " الحج الشامي " ويربط بلاد الشام بالأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وعرف باسم التبوكية نسبة إلى بلدة تبوك التي يمر عليها .
ويبدأ مساره من دمشق ويمر ببصرى الشام " درعا " ، وبمنازل أخرى أهمها أذرعات ، ومعان والمدورة " سرغ " ثم يدخل أراضي المملكة ليمر على حالة عمار ، ثم ذات الحاج بتبوك ، ثم الأقرع ، ثم الأخضر الذي تقع فيه محطة المحدثة ، ثم محطة المعظم ، ثم الحجر ، ثم العلا ثم قرح .
خامسًا: طرق ( الحاج اليمني ) من طرق الحج التي ربطت بين اليمن والحجاز منذ العصور القديمة، وكان حجاج اليمن يسلكون ثلاثة طرق هي الطريق الساحلي والطريق الداخلي أو الأوسط ، والطريق الأعلى ، ولكل منها مساراته ومحطاته ، ومتاعبه التي عاناها الحجاج قرونا طويلة, ويسير الطريق من الشرجة إلى المفجر ، فإلى القنيدرة ، ثم عثر ، ثم بيض ، ثم الدويمة ، ثم حمضة ، ثم ذهبان ، ثم حلين ثم قرما ، فدوقة ، إلى السرين وهي ملتقى طريق الساحل مع طريق الداخل ، ومنها يفترقان أيضا كل في جهته ، حيث يسير الساحلي صوب الليث فالشعيبة إلى جدة ومنها إلى مكة المكرمة .
ومن أهم الطرق التي كانت مفضلة لدى الحجاج بيت الله الحرام القادمين من طريق اليمن الطريق الذي يمر بشمال اليمن و يخترق منطقة عسير الجبلية إلى أن يصل إلى الطائف ثم إلى مكة المكرمة , وعلى الرغم من أن الطريق يجتاز مناطق ذات طبيعة تضاريسية صعبة ، إلا أنه كان مفضلا للحجاج وغيرهم لأنه يمر عبر أراض خصبة دائمة الخضرة وقرى و بلدات تتوافر فيها المياه و يكثر بها الغذاء .
سادسا - سابعا: طريقا الحج العماني ، اللذان يسلكهما حجاج عُمان إلى المشاعر ، فأحدهما يتجه من عمان إلى يبرين , ثم إلى البحرين , ومنها إلى اليمامة , ثم إلى ضريه .
وتشير المصادر الجغرافية إلى أن ضريه كانت ملتقى حجاج البصرة والبحرين , حيث يفترقون بعدها إذا انصرفوا من الحج , فيتجه حجاج البصرة شمالاً وحجاج البحرين باتجاه اليمين , كما كان بإمكان القوافل القادمة من عُمان اجتياز منطقة الأحساء لتلتقي بطريق اليمامة مكة المكرمة .
دور ثقافي
كان من نتائج الحركة على طرق الحج والتجارة جذب الرحالة والمستكشفين إلى شبه الجزيرة العربية، حيث ظهرت شبكة الطرق التاريخية بيانيًّا لأول مرة في القرن السادس عشر الميلادي في (خريطة بلاد العرب الثلاثة) لعالم الجغرافيا الفرنسي نيكولا سانسون، الذي أوضح مراحل الحج إلى مكة المكرمة، فكانت دعوة للاستكشاف والترحال. ولأن مكة المكرمة والمدينة المنورة مكانان مقدسان يقتصر دخولهما على المسلمين، فإن بعض الرحالة المدفوعين بالفضول اعتنقوا الإسلام حتى يتمكنوا من الوصول إلى نهاية الطريق وإتمام طرق الحج.
واليوم أصبح الحج يسيرا لمن أراد الحج، مع وجود وسائل النقل الحديثة برا وبحرا وجوا، وقد نفذت المملكة العربية السعودية بكل طاقاتها الخدمات المختلفة في جميع المجالات لخدمة ضيوف الرحمن، من توسعة الحرمين الشريفين إلى توسعة المشاعر المقدسة مثل: جسر الجمرات، وقطار المشاعر بشكل يفتخر به كل مسلم، ومن ناحية وسائل النقل وآخرها قطار الحرمين من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، وتأمين الماء البارد في كل مكان، والمواد الغذائية، والسكنى المناسب، وتبريد المشاعر وطرقها، وكذا من ناحية الأمن والأمان، وأيضاً من ناحية الخدمات الصحية حيث كلها تقدم مجاناً وما يزال العمل لراحة ضيوف بيت الله الحرام يشكل مقصد المملكة الدائم والثابت في كل المجالات التي تخدم حجاج بيت الله الحرام.
هوامش:
· https://www.al-jazirah.com/2024/20240628/ld1.htm
· https://www.spa.gov.sa/1e707e73aa#95f1d43eb3
· https://www.qpedia.org/topics/12702.html