من بنات الرياض إلى العطايف إلى بريدة .. الرواية السعودية عندما تتجمل بالأمكنة فنيا وتعبيريا

من بنات الرياض إلى العطايف إلى بريدة .. الرواية السعودية عندما تتجمل بالأمكنة فنيا وتعبيريا

لعلنا نلحظ ونحن نتصفح عناوين الروايات السعودية أنها قد تختار أسماء بعض الأماكن والشوارع والأزقة عناوين لها. فالاندماج بين العمل السردي والمكان يومئ إلى دلالة ما محددة. فالمكان يشير إلى موقع تاريخي أو تراثي أو حديث، وهو في هذه الإشارة ينطوي على حياة مجتمع معين في زمان ومكان معين، مكان له شخوصه ووقائعه وأحداثه ومواقفه وإشاراته.


لهذا فإن الروائيين أحيانا يختارون أسماء الأماكن لأنها تختصر عليهم الكثير من التفسير والتأويل، حيث ينتقل اسم المكان إلى مخيلة القارئ مباشرة، بما يتضمنه من تاريخ أو تراث أو خصائص عمرانية أو أمكنة قديمة أو أسواق أو مقاه شعبية أو إشارات أو حتى أماكن عمرانية ذات طرز حديثة، فللمكان دلالاته وجمالياته التي يبرع فيها كتاب الرواية. منه يستلهمون أعمالهم الروائية، والشخصيات التي تتحرك في المكان، ومدى تعبيرها عن الواقع والمجتمع، كما يستلهمون روح المكان، وتعدد مستوياته اللغوية تبعا للشخصيات التي تعيش فيه، ويبرزون في رواياتهم ما يسمى في النقد الأدبي والنظرية النقدية ب:" جماليات المكان" .

من هنا يلجأ كثير من الروائيين إلى ربط إبداعهم الروائي باسم مكان معين، وربما يأتي ذلك لسببين:

الأول: التعبير عن المكان نفسه، واستلهام مبانيه ، وأسلوبه المعماري، والشخصيات التي تعيش فيه.


 والثاني: ربط العمل الروائي وعنوانه باسم المكان نفسه، لكي يحوز رواجا ما على خلفية اسم المكان الذي اختير له، وهذه الظاهرة تبرز في الروايات العالمية والعربية معا .


وفي الرواية العالمية هناك روايات كثيرة احتفت بأسماء الأماكن مثل: " قصة مدينتين"   و" مرتفعات وذرنغ" لإيميلي برونتي (1847) و" ميدات ألكسندر في برلين" لألفرد دوبلن (1929) وفي الرواية العربية توجد روايات نجيب محفوظ:" قصر الشوق" و" السكرية" و" بين القصرين" وكلها أماكن من أحياء القاهرة، و" لا أحد ينام في الإسكندرية" لإبراهيم عبدالمجيد، و" طواحين بيروت" لتوفيق يوسف عواد، و" الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، و" صنعاء مدينة مفتوحة" لمحمد عبدالولي و" ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور، وغيرها من الروايات .


الحضور المكاني:

استثمر الروائي السعودي أماكن عدة ليختارها عنوانا لروايته، أحيانا تكون أماكن تراثية، أو أماكن ارتبطت بحالة أو واقعة تاريخية، أو أماكن للنشأة كالقرى والأزقة والشوارع العتيقة وغيرها من الأماكن التي قد تحمل دلالة شخصية لدى المؤلف كأن تكون مكانا للتعلم أو النشأة أو السفر أو الهجرة أو التعلم، أو حتى أماكن تعبر عن ديار المحبوبة كما في الأماكن التراثية الشعرية التي برع في وصفها الشعراء العرب القدامى.

ومن الروايات السعودية التي حملت أسماء بعض الأماكن بالمملكة ، جاءت روايات : تركي الحمد: (الكراديب/ العدامة/ الشميسي ) وعبدالله بخيت : شارع العطايف، ويحيى امقاسم: ساق الغراب، وعبدالعزيز مشري : الوسمية، وبدرية البشر : غراميات شارع الأعشى، وصلاح القرشي : بنت الجبل، ويوسف المحيميد: الحمام لا يطير في بريدة، عبدالرحيم الأحمدي: وادي العشرق. 


ومن الروايات الأخرى التي حملت أيضا أسماء مدن و أماكن وشوارع : " بنات الرياض" لرجاء الصانع، " فتنة جدة" لمقبل العلوي، وغيرها من الروايات التي تعبر عن عدد من الأماكن في المملكة.


ولعل اختيار الأماكن هنا لا يذهب إلى الأماكن الراقية، ربما لندرة الكثافة الشعبية بها أو ندرة تعدد مستويات الشرائح الاجتماعية فيها، فغالبا ما يميل الروائيون إلى استلهام الأماكن القديمة والشعبية نظرا لما تنطوي عليه من موضوعات كثيفة، وتعدد درامي في مسيرة حياة الشخوص، فضلا على الحراك الاجتماعي الذي يحدثه وجود مستويات وشرائح اجتماعية متنوعة في مكان واحد حيث يحدث ذلك نوعا من إثراء المكان فكريا وحيويا، نظرا لحاجة كل شريحة اجتماعية للشريحة الأخرى.

يتبقى للرواية السعودية أن تستثمر مئات الأماكن الأخرى خاصة ما يرتبط منها بالتراث العربي والإسلامي وقد حمل الشعر العربي القديم أماكن لها بريقها التعبيري الكبير كما في وادي مأسل والدخول وحومل وصخرة عنترة وبرقة ثهمد وأجا وسلمى وموقدة حاتم الطائي.


من بنات الرياض إلى العطايف إلى بريدة .. الرواية السعودية عندما تتجمل بالأمكنة فنيا وتعبيريا

هل كانت هذه الصفحة مفيدة؟ نعم لا

من فضلك أخبرنا بالسبب (حدد خيارين كحد أقصى)

إغلاق Close

أدوات إمكانية الوصول

Ehsan Logo