من الغرائبية إلى الجنون طقوس الكتابة عند الأدباء والمثقفين ما بين الكتابة عند النوم والاختباء في كوخ والكتابة على المقاهي

من الغرائبية إلى الجنون طقوس الكتابة عند الأدباء والمثقفين ما بين الكتابة عند النوم والاختباء في كوخ والكتابة على المقاهي

 

كان الشاعر السوريالي الفرنسي سان بول رو حينما يذهب إلى النوم، يعلق لافتة على باب غرفة نومه مكتوب عليها:" إن الشاعر يكتب" 

هكذا هو يشير إلى أن كتابته تبدأ مع النوم، مع الأحلام والكوابيس، مما يشكل طقسًا من طقوس الكتابة عنده.

والكاتب الروائي المصري- الفرنسي: ألبير قصيري ، استمر لأكثر من 60 عاما مقيما بفندق بباريس لا يغادره إلا نادرا، وكان طقس الكتابة عنده يتمثل في الإقامة في غرفته الفندقية أو الجلوس في بهو الفندق. 

 

ومن غرائب الطقوس ما يقوم به الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، إذ كان يسير مسافات طويلة في الصباح الباكر استعدادا للكتابة، فيما كان الشاعر السوري الراحل نزار قباني يسرف في تأنقه، ويستخدم العطر، ثم يستلقي على الأرض وأمامه عدد كبير من الأوراق الملونة، ربما كي يحفز الجانب العاطفي عنده قبل أن يخط قصيدته.

 

وليس بأغرب من الروائية الإنجليزية أجاثا كريستي، وكانت لا تأتيها أفكار رواياتها إلا في الحمام، لذلك كانت تمكث فيه لساعات وهي تكتب، أما الكاتب المسرحي الجزائري ألبير كامو فكان لا يكتب إلا واقفا أمام شرفة مفتوحة.

 

يتبين لنا هنا أن هناك طقوسا للكتابة متعددة بتعدد الأدباء والكتاب والشعراء، وهي طقوس متوارثة وليست ابنة العصر الحديث. 

وفي توصيفات الشعراء العرب القدامى ، يوجد توصيف شهير وهو أن طقس الكتابة متعلق بالحالة المزاجية والنفسية للشاعر العربي، فمما يرويه الأصمعي عن ابن أبي طرفة: " كفاك من الشعراء أربعة : زهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وعنترة إذا كلب، وزاد قوم: وجرير إذا غضب"

هنا لكل حالة شعرية طقس. 

وتتعدد طقوس الكتابة إلى أبعاد كثيرة، من شراهة التدخين أحيانا، أو تناول المسكرات، أو تناول مشروبات متنوعة كالشاي والقهوة ولكن بشراهة كبيرة، كأنها تعدل أو تغيب الوعي الإنساني الكامل ليندمج الأديب في الكتابة. 

وهناك من الأدباء من يغعلق على نفسه غرفته ، بل ويخلع ملابسه ويخبئها حتى لا يستطيع الخروج، كما إن بعضهم قد يجد إلهامه في السفر أو الخروج للطبيعة، أو الذهاب للصحراء. 

 

الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، تقول عن طقوسها إنها تكتب في غرفة نومها، على السرير، في ظل إضاءة قوية، وتكتب بأقلام تلوين مدرسية سيالة، وأثناء الكتابة لا تدخن، ولا تشرب شيئا سوى كأس حليب ساخن مع نسكافيه.

 

الأديب الروسي تولوستوي كان يرتدي لباس الفلاحين قبل الكتابة، والروائي الكولومبي جابريال جارسيا ماركيز كان لا يبدأ الكتابة إلا عندما يرتدي لباس الميكانيكي، والفرنسي جوستاف فلوبير كان يرتدى ملا‌بسه الأ‌نيقة، ويضيء كل مصابيح منزله، حتى يظن الناس أنه أقام وليمة، ليكتب نصوصا تنتصر للإبداع الثقافي.

 

قفزة في الظلام:

يقول الأديب والمترجم الجزائري مرزاق بقطاش: " ليست الكتابة سوى قفزة في الظلام" ه>ه القفزة المعتمة ربما تشكل الهواجس الأولية للكتابة، وهي التي تنقل الوعي من حالة الاسترخاء إلى حالة أخرى من الحراك العقلي والتخيلي والإبداعي.

وه>ا ما نجده كثيرا من تغير الحالات النفسية وال>هنية بين كاتب وآخر وبين كاتبة وأخرى، فالكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف صاحبة رواية: غرفة جاكوب، لا تستطيع الكتابة بمزاجية عالية إلا إ>ا كان أمامها قفص، وفي داخله رجل يتوسل إليها الخروج، حيث كانت تستلهم من هذا السلوك الغريب بعض أفكارها الأدبية المعبرة عن مشاعرها، أما الكاتب الأمريكي دان براون صاحب رواية: شيفرة دافنشي، فكان يطأطئ هامته بالمقلوب ليستمتع بالكتابة مسترخيا ليستجمع أفكاره ويتماهى معها رأسا على عقب. 

والأديب الياباني (هاروكي موراكامي) ، يستيقظ في الرابعة صباحاً عندما يكون بصدد كتابة رواية، ويعمل خمس ساعات متواصلة. في المساء يقرأ، يستمع للموسيقا، ثُمَّ يأوي إلى فراشه في التاسعة مساء. يقول: أتبع هذا الروتين كُلّ يوم بدون تنويع. يصبح التكرار، في حدِّ ذاته، هو الأهم، إنَّه شكل من أشكال التنويم المغناطيسي. أنوِّم نفسي لكي أبلغ حالة ذهنيَّة معمَّقة. كانت له عادات سيِّئة استطاع أن يُغيِّرها بشكلٍ كليّ، حيث انصرف للعيش مع زوجته في منطقةٍ ريفيةٍ، امتنع عن التدخين، ، كما أنَّه شرع في اتباع حمية غذائية تستند إلى كثرة الخضار والسَّمك. وانتظم، كذلك في ممارسة العدو يوميّاً. العيب الوحيد في هذا النظام الذي فرضه على نفسه، بحسب ما عبَّر عنه: هو أنَّه لا يسمح للمرء بممارسة حياة اجتماعية رحبة. 

وفي كتابه (بينما أكتب)، يقول ستيفن كينغ: (كما غرفة نومك، تماماً، ينبغي لمكتبك أن يكون خاصّاً، مكان تلجأ إليه للحلم، أمَّا توقيتك ـ الذي يبدأ يوميّاً في نفس السَّاعة، تقريباً، وينتهي عندما تكتمل الألف كلمة على الورق أو القرص المدمج ـ فيوجد لكي يعوَّدك على الحلم، ويهيّئك له، بالطريقة نفسها التي يهيّئك فيها للنَّوم قبل الذهاب إلي الفراش في نفس السَّاعة، تقريباً، من كُلِّ ليلة، وممارسة نفس الطقس عندما تقوم به، من أجل الكتابة، ومن أجل النَّوم، نتعلَّم كيف نبقي ثابتين جسديّاً في نفس اللَّحظات التي نمنحها لعقولنا لكي نتحرَّر من التفكير العقلاني الرتيب لحرصنا اليومي).

 

عادات غرائبية:

ومن طقوس الكتابة الغرائبية كان الروائي خيري شلبي يغادر القاهرة المزدحمة، ومقر سكنه الراقي بحي المعادي بالقاهرة ويذهب إلى المقابر ليكتب هناك في هدوئها وسكونها، وتخلى فيكتور هوجو عن ملابسه ليتجنب إغراء الخروج من المنزل، وأمر خادمه أن يخبئها بعيدا عنه، مرتديا شالا رماديا كبيرا، واختارت إديث سيتويل أن تستلقي في نعش مفتوح وتبدأ الكتابة، ومن الأدباء من يختار الكتابة في الحمام، مثل الشاعر رود ماكوين، والكاتب دالتون ترومبو الذي اعتاد الكتابة في الحمام ليلا رفقة ببغاء أهداه له كيرك دوجلاس. 

وطلبت الكاتبة الشهيرة أجاثا كريستي من مهندسها المعماري أن يدشن لها حماما كبيرا على الطراز الفيكتوري لتتناول فيه التفاح قالت: أحتاج إلى حافة لأنني أحب أكل التفاح، فيما كان فلاديمير نابوكوفو يفضل القراءة والكتابة في السيارة والكتابة على بطاقات الفهرسة. وكان برنارد شو يختبئ في كوخ حتى ينهي كتاباته، واعتاد مارسيل بروست على الكتابة في السرير ليلا. 

ترى هل هي طقوس غرائبية للكتابة ربما إلى درجة الجنون؟ هي عادات الأدباء والشعراء والكتاب وربما لولاها ما قرأنها روائعهم الأدبية. 

 

إشارات:

·      https://www.aleqt.com/2018/10/11/article_1468731.html

·      https://www.alittihad.ae/newsA

·      https://thaqafat.com/2020/10/91720

·      https://www.alqesa.com/2022/09/

من الغرائبية إلى الجنون طقوس الكتابة عند الأدباء والمثقفين ما بين الكتابة عند النوم والاختباء في كوخ والكتابة على المقاهي

هل كانت هذه الصفحة مفيدة؟ نعم لا

من فضلك أخبرنا بالسبب (حدد خيارين كحد أقصى)

إغلاق Close

أدوات إمكانية الوصول

Ehsan Logo