أكثر من خمسة آلاف عام هو عمر هذه المدينة التي تعد أقدم مدينة في روسيا الاتحادية، وإحدى أقدم المدن العالمية ، ونظرًا لما تعجّ به من آثار وأماكن تاريخية تم تسجيلها في قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
إنها مدينة ( دربند) إحدى مدن جمهورية داغستان المنضوية ضمن الاتحاد الفيدرالي الروسي، وتقع على الساحل الغربي لبحر قزوين بالقرب من مصب نهر سامور في البحر حيث المسافة بين البحر وجبال القوقاز في حدود 3 كم، وتبعد عن عاصمة داغستان (محج قلعة) 121 كم، وعن العاصمة الروسية موسكو 2212 كم، بطريق سكك الحديد التي تمر بمدينتي فولغوغراد وأستراخان .
سرد المكان:
أسست المدينة بشكلها الحالي عام 438 م في عهد السلالة الساسانية حيث حولها الشاه كوادا وابنه كسرى الأول إلى قلعة حجرية تغلق الممر بين البحر والسلسلة الجبلية بجدار طوله 40 كم. وشيدا حصن نارين وتم إنشاء المرفأ. لقد شيدت المدينة في الممر الفاصل بين بحر قزوين وسلسلة جبال القوقاز ولقد حاولت كافة الدول التي حكمت في المنطقة السيطرة على هذه المدينة الممر.
وتعددت أسماء المدينة، فاليونانيون أطلقوا على هذا الممر اسم «الممر الألباني» والروم «بوابة الخزر» اما العرب فسموه «باب الأبواب». ولا يوجد أي مكان اخر على طول سلسلة جبال القوقاز قريب من البحر كموقع المدينة الفريد.
ووصف اليكسندر ديوما في كتابه «رحلة في القوقاز» سور المدينة بانه حقا جدار ضخم يفصل بين أوروبا وآسيا ويصد هجمات الاسكوثيون الخطرة.
قام المسلمون بفتح المدينة صلحاً عام 22هـ (حوالي 643م) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب علي يد سراقة بن عمرو وعبد الرحمن بن ربيعة وتوفي سراقة بن عمرو بعدها في المدينة وتحولت المدينة إلى مركز عسكري وإداري للخلافة الإسلامية لحملات الحروب مع الخزر في داغستان وما حولها، إضافة إلى كونها مركزا تجاريا ضخما ومرفأ ومركزا أساسيا لنشر الإسلام في المنطقة.
وتحولت المدينة خلال الحكم الإسلامي إلى مدينة كبيرة في القوقاز بالعصور الوسطى وظهرت فيها حرف وصناعات مثل: صناعة الخزف والزجاج وصياغة الذهب والنسيج والسجاد والورق والحرير والصابون وغيرها كما تطورت الزراعة وخاصة زراعة الزعفران والقطن والكتان وغيرها. وكانت للمدينة علاقات تجارية مع الكثير من مناطق الشرقين الأوسط والادنى وشرق أوروبا. وبعد سقوط الخلافة العربية أصبحت المدينة إمارة (دربند) حكمتها سلالة هاشم العربية.
وزار المدينة في القرون الوسطى قادة عسكريون عرب أمثال : الجراح الحكمي وسعيد بن عمرو الحرشي، ومسلمة بن عبد الملك، ومروان بن محمد وقادة سلجوقيون وزملاء لجنكيز خان وغيرهم كما زار المدينة عدد كبير من الكتاب والمؤرخين من عرب ويونانيون ورومان وعدد من الرحالة مثل الرحالة العربي أحمد بن فضلان وأبو حميد الغرناطي وماركو بولو والروس افاناسي نيكيتين وفيدوت كوتوف وغيرهم من بلدان مختلفة.
ويعود هذا الاهتمام بالمدينة لموقعها الاستراتيجي الذي يربط سكان ما وراء القوقاز والشرق الأدنى بجنوب شرق أوروبا..
قلعة دربند كانت في الحقيقة جزءا من النظام الدفاعي الذي كان يتضمن تحصينات متينة وحواجز صعبة الاجتياز التي كانت تشرف على كل الطرق الجبلية وهذه الحواجز تتكون من اسوار تتخللها ابراج وبوابات وقرى سكنية في الأماكن الاستراتيجية وامتد هذا السور إلى أكثر من 40 كم. ويمكن تسمية السور بسور القوقاز العظيم الذي ما زالت أجزاء كبيرة منه قائمة إلى هذه الأيام.
شواهد تاريخية:
تضم مدينة دربند مجموعة من الشواهد التاريخية والأثرية منها : بوابات القلعة، وأجملها :" البوابة الوسطى" وقد أعيد تعميرها في العام 435هـ
وبوابة: "باب المكتوب "، وبوابة الأربعين، وهي أقدم بوابات القلعة ، بوابة " دوباري" وبوابة " دجار تشي كابا" أو " بوابة الرسل" .
كما تضم المدينة: قصر الخان، ومبنى إدارة الخانية، وحمامات الخانية، وكنيسة بنيت في القرن الرابع الميلادي لها قبة كبيرة، وسجنا أثريا كبيرا ، يعد من المعالم الأثرية الفريدة لفن العمارة في القرون الوسطى. ويبلغ عمق الزنزانات 11 متر ومساحتها الداخلية 25 متر مربع وفيها فتحات لدخول الهواء والضوء. كما تضم مسجد الجمعة، وأقدم مسجد بني في القرن الثامن الميلادي.
ومن المشاهد المميزة بالمدينة: نافورات دربند القديمة، ومنها نافورة بينيك بولاخ ونافورة خان بولاخ، بالإضافة إلى حصن دربند ويبلغ طوله 700 متر ، ويتراوح ارتفاع الجدران ما بين 6.5-20 مترا بسمك 3.5 متر وذلك لحماية المدينة من خلاله ومن خلال الجدران والأبراج والبوابات .
ومدينة دربند اليوم مدينة كبيرة تشتهر بصناعاتها وزراعتها ومعالمها الأثرية الكبيرة. ويوجد في المدينة مصنع لإنتاج الجلاخات الالية ومعامل لإنتاج أجهزة الإشارات الكهربائية والسجاد اليدوي ومعامل الغزل الصوفي ومواد البناء والمواد الغذائية وغيرها.
كما تحتوي على مسارح ودور عرض سينمائي ودار للثقافة، ومدرسة لتعليم الموسيقى للأطفال، فضلا على وجود مجموعة من المكتبات العامة.
وتزداد اليوم الاهمية الجيوسياسية للمدينة باعتبارها البوابة الجنوبية لروسيا. واليوم كما في السابق تعيش بتآخي ومحبة في المدينة قوميات وطوائف عديدة وهي كالسابق تفتح أبوابها لكل شغوف وطموح لمعرفة المزيد من تاريخ المدينة. لقد اضيفت مدينة دربند إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو
وتعد داغستان ، التي تنتمي إليها مدينة دربند ، واحدة من أجمل جمهوريات القوقاز،وبجانب طبيعتها الساحرة فإن البعد التاريخي له أهمية قصوى، إذ كانت موقعًا تاريخيًا شاهدًا على عظمة الإمبراطوريات وأفولها، وكانت معبرًا لحملات التتار والدول الإسلامية ومركزًا للصراع بين العثمانيين والروس على مدى قرون طويلة، وجذبت المنطقة عقول عديد من الأدباء، وكانت محورًا لأعمالهم الشهيرة، مثل: ألكسندر بوشكين وليو تولستوي ورسول حمزاتوف، وتنتشر فيها المناطق الطبيعية والأثرية .
هوامش:
· https://ar.wikipedia.org/wiki/
· https://arabic.euronews.com/culture/2015/09/01/derbent-celebrates-2000-years-of-history-and-multiculturalism
· https://russia4arab.com/2022/02/13/
· https://arabic.rt.com/rtonline/breaking/1213250-