بقلم عبد الكريم إبراهيم السمك
المصطلح اللقبي (الدكتوراه) بين الواقع العلمي والواقع الاجتماعي ، فقد غدى لقباً اجتماعياً أكثر منه تأهيلاً علمياً في الوسط المجتمعي العربي ، وأمام هذا الحال والواقع لهذا المصطلح اللقبي; فقد مضت كثير من الأقنية العلمية بدراسة هذه الظاهرة وأثرها على الواقع العلمي في المجتمعات العربية ، وكان لقناة المجد الفضائية دور في ذلك، فتناولت الموضوع في برنامج ساعة الحوار ، استضاف به مقدم البرنامج الأستاذ فهد السنيدي ، على شاشة قناة المجد الفضائي ، الدكتور محمد الكثيري ، وذلك بتاريخ 20-12-1428 هــ، فكانت حلقة مميّزة فيها تناولته من حوارات حول وقع هذا اللقب من مجتمع العربي، وما آل إليه الواقع العلمي والثقافي والفكري والاجتماعي من سوء حال نتيجة لسيادة هذا اللقب في مجتمعاتنا العربية.. الأمر الذي دفعني إلى دراسة هذه الظاهرة اللقبية، وبيان مكانتها أمام مقارنتها وقياسها بميزان ومعيار الإجازة العلمية، التي عرفها مجتمعنا الإسلامي، فكان من أفضل عطاءاتها- أي الإجازة - علم الإسناد في الرواية، فهذا العلم من أسمى العلوم، الذي حفظ لنا خصوصيات الشريعة، والحديث النبوي الشريف من خلال علم الرجال، ومن يحمل الإجازة يملك الأهلية العلمية التي خولته فيها الإجازة.
وحتى لا يقع هناك ظلم بحق من حمل اللقب عن جدارة علمية ، مع من حمله عن طريق الشبكات العنكبوتية والجامعات غير المعترف بها ، فكان لابد من استعراض هذا اللقب- الدكتوراه- بالمقارنة مع الإجازة العلمية التي تعود نشأتها إلى بداية ظهور أول مدرسة في الحديث النبوي الشريف ، فالإجازة العلمية كانت ولا زالت ، من أعظم صور المدينة العلمية في حاضرة الدول الإسلامية ، فهي- أيٍ الإجازة- لا زالت شامة بيضاء وتاجاً مكللاً بالغار ، ووجهاً من وجوه الحضارة العلمية في دولة الإسلام، في جميع دوله المتعاقبة ، وعلى مدى اتساع جغرافية دولة الإسلام ، من شرق الأرض إلى غربها ، ومن جنوبها إلى شمالها.
فما هي الإجازة؟ وما هو تعريفها؟ وما هو تاريخ نشأتها؟ وما هو سبب استدعائها؟ وما هي فائدتها وأهميتها وأهليتها العلمية؟ وما هي شروطها على صاحبها؟
ففي المصطلح: هي عبارة عن إذن في الرواية لفظاً أو كتابة يُفيدُ الإخبارَ عُرفاََ، وعَرَّفها الخطيب البغدادي رحمه الله بقوله: (الإجازة إنما هي إباحة المجيز للمجاز له روايةَ ما يصح عنده أنه حديثه).
وأركان الإجازة أربعة: المجيز، والمجاز له، والمجاز فيه، ولفظ الإجازة أو كيفيتها. وخير من اهتم بها وأعتنى ببيانها الخطيب البغدادي، ثم جاء بعده قاضي عياض، ثم جاء بعدهما الحافظ ابن الصلاح، الذي قال بأن أنواعها ستة، ثم رفعها بعد الجميع الزركشي والعراقي إلى تسعة أنواع.
ومدرسة الحديث النبوي، هي الرائدة والسابقة على المدارس الإسلامية، في تنوّع علومها وفنونها في صناعة الإجازة، بعد ذلك ذهب ونحى منحى أهل الحديث أبناء العلوم الشرعية الأخرى، كمدرسة علوم القرآن والفقه وعلومه، وغيره ذلك من العلوم.
أما أهمية الإجازة وفائدتها ، فخير من اهتم بها هم أبناء مدرسة الحديث ; كما سبق الحديث ، فهي تأتي عندهl في المرتبة الثالثة من طرق التحمل الثمانية بعد السماع والقراءة ، والتي يتحقق فيها الإيفاء على سلسلة الإسناد في الأمة ، والتي تعد خصيصة من خصائصها ، فقد قال الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني( ت 576 هــ ) : (وفي الإجازة كما لا يخفي على ذي بصيرة وبَصَرُ ، دوام ما قد رُوي وصحّ من أثر ، وبَقَائة بهائه وصفائه ، وبهجته وضيائه ، ويجب التعويل عليها ، والسكون أبداً إليها ، من غير شك في صحّتها ، وريب في فسحتها ، إذ أعلى الدرجات في ذلك السماع ثم المناولة ثم الإجازة ، ولا يتصور أن يبقى كل مصنف قد صنّف كبيراً ، ومؤلف كذلك صغير، على وجه سماع المتصل ، على قديم الدهر المنفصل ، ولا ينقطع منه شيء بموت الرواة ، وفقد الحفاظ الوعاة ، فيحتاج عند وجود ذلك إلى استعمال سبب فيه بقاء التأليف ، ويقضي بدوامه ، ولا يؤدي بعد إلى انعدامه ، فالوصول إلى روايته بالإجازة فيه نفع عظيم ، ورفد جسيم ، إذ المقصود به إحكام السنن المروية ، في الأحكام الشرعية ، وإحياء الآثار ، على أتمّ الإيثار ، سواء كان بالسماع أو القراءة أو المناولة والإجازة)(1).
وقد قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن مقصود الرواية إفادة العلم، والإبقاء على سلسلة الإسناد في الأمة، وأن الإجازة تفيد السلسلة ولا تفيد العلم).
وهناك يتجلى لنا بأن الإجازة تأتي أهميتها بخلاف السماع والقراءة، على أنها أساس لوصل الروايات، والإبقاء على الإسناد في الأمة، والذي يُعد من أسمى وجوه مدينتها العلمية في تاريخ الحضارة العلمية الإنسانية، فالإسناد هو الذي حفظ للأمة السنة النبوية، وهو الذي وصل سلف الأمة بخلفها.
وهذا أبو طاهر السلفي الأصبهاني يؤكد على الانتفاع بالإجازة بخلاف السماع والقراءة، فيقول: (ومن منافع الإجازة أيضاً أن ليس كل طالب، وباغ للعلم فيه راغب، يقدر على سفر ورحلة، وبالخصوص إذا كان مرفوعاً إلى علة أو قلة، أو يكون الشيخ الذي يرحل إليه بعيداً وفي الوصول إليه يلقى تعباً شديداً، فالكتابة حينئذٍ أرفق، وفي حقه أوفق، ويعد ذلك من أنهج السُّنن، فكيف من بأقصى المغرب إلى من بأقصى المشرق فيأذن له في رواية ما يصح لديه من حديثه عنه، يكون ذلك المروي حجّة).
وهذا الكلام إنما هو إثبات لإجازتها كتابياً ، وسمو مكانتها كتابةً ، وقد أشار الإشبيلي (ت 576 هـ) بقوله: (وقد أجازها أكثر أهل العلم) ، وتتجلى أهمية الإجازة أيضاً في كونها أمراً ضرورياً في الرواية ، فبها تتم وتكمل ، وإلا كانت ناقصة لا محالة ، قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عتّاب بن محسن القرطبي : ( لا غنى لطالب الحديث عن الإجازة ، سمع ما يحمله عن المحدّث ، أو عرضه عليه ، أو سمعه بعرض غيره عليه ، لجوار العفلة والسنة والإسقاط ، والتصحيف والتبديل عليهما أو على إحداهما، فإن كان المحدث هو القارئ بلفظه ، فجائز السهو على المستمع وذهاب ما يقرأ عليه ، فإذا أضيفت الإجازة إلى السماع أو العرض ، احتويت الإجازة على جميع ما تقع فيه غائلة من هذه الغوائل).
هذا وقد وقف الكثير من العلماء، موقف الجد من الإجازة، على إنها أفضل من السماع، وهناك منهم من يجعلها منهم من يجعلها معه في مرتبة واحدة، فقد قال الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده الأصبهاني (ت 470 هــ): (الإجازة أقوى من السماع، لأنها أبعد من الكذب، وأنفى عن التهمة وسوء الظن، والتخلص من الرياء والعجب). وقال الحافظ ابن مخلد القرطبي (ت 276 هــ): (هما سواء). يعني الإجازة والسماع.
هذا وقد أحصى خطيب البغدادي، عدداً من أسماء الكثير من أهل العلم الذين قالوا بصحة الإجازة. كما حفظت لنا مكتبة التراث الإسلامي عن عشرات الكتب والمؤلفات في الدراسات التي عنيت بالإجازة واهتمت بها، بقصد بيان أهمية هذه الأهلية العلمية عند أصحابها، ممن هم من أثروا مكتبة التراث الإسلامي بشتى الفنون والعلوم.
وفي الحديث عن طلب الإجازة عن طريق الاستدعاء، فقد عرفها الأستاذ عبد الله الترغي بقوله: (هو صورة الطلب الذي يُقدمه الراغب في الرواية والسند، إلى شيخه أو شيوخه، ليكتسب شرعية اتصال سنده بواسطتهم، عن طريق الإجازة).
هذا وقد أرّخ علماء الأمة، لتاريخ وجود أول إجازة مكتوبة، فكانت إجازة القاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي الأزدي (ت 282 هـ) وهي بخطة، قد أجاز فيها أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، فكانت من أقدم الإجازات التي عرفها أهل العلم بهذا الفن، وقد أشار لها الخطيب البغدادي في تاريخه.
هذا ولابد من الإشارة إلى أن أهل الحديث كما سبق الكلام ، هم أول من سعي إلى العمل في الإجازة ، وعملوا بها ، وقلدهم غيرهم من أهل العلوم الشرعية الأخرى ، وحتى غير الشرعية ، كعلم الحساب وغيره ، وهنا أودّ أن أقدم صورة لعالمين فاضلين نالا شرف الإجازة العلمية ، بالسفر والترحال في طلب العلم ، وكلاهما من سلالة أسرة علمية كريمة، فالأول: هو الشيخ محمد سعدي الكيلاني الحموي (1168-1241 هـ/1754-1825 م) ، فقد قصد الأزهر وهو ابن سبع وعشرين سنة ، وتتلمس فيه على عدد من الشيوخ ، وقضي فيه سبع سنوات طالب علم ، وشيخه في هذه الإجازة الشيخ عبد الرحمن النحراوي ، الذي تتلمذ هو بدوره على خيرة شيوخ تلك الفترة ، وقد ذكرهم الجبرتي في تاريخه بخير ، وقد أجيز الكيلاني بالعلوم التالية:
1- شرح الأشموني على ألفية ابن مالك.
2- المختصر للسعدي على التلخيص.
3- شرح ابن السبكي على جمع الجوامع.
4- شرح المنهج لشيخ الإسلام.
5- شرح الخطيب على أبي شجاع.
6- شرح الزرقاني على البيقونية، في مصطلح الحديث.
7- شرح ابن حجر على الأربعين.
8- شرح الجزرية في التجويد لشيخ الإسلام.
9- تفسير الجلالين.
10- شرح ريحان آغا على الأجرومية.
11- شرح التحرير لشيخ الإسلام.
وكان تاريخ حصوله على الإجازة هو رمضان سنة 1202 هـ وهي موجودة في حماه بملك الأسرة الكيلانية.
وثمة إجازة علمية ثانية لفضل وعالم وسليل أسرة كريمة من دار هجر بالأحساء ، إنه الشيخ راشد بن عبداللطيف المبارك الأحسائي ( 1273 هـ - والمتوفى مغرب يوم الأربعاء 5/9/1340 هــ ) رحمه الله ، فقد أدرك الشيخ راشد قيمة الإجازة العلمية ، رغم سمو مكانة أسرته العلمية على مدى أكثر من ثلاثة قورن من تاريخ مولده ، فقصد العراق والشام واستانبول ، حاضرة الخلافة العثمانية ، وفي دمشق; طاب له المقام بطلب العلم على عالمها الشيخ عبدالرازق البيطار رحمه الله ، فقد أجازه -رحمه الله- بما سمع منه من علوم وقرأها على يديه، وكان البيطار قد أجيز فيها .
هذا وقد حافظت جامعة دمشق على منح خريجيها الشهادة الجامعية، وقد كتبت عليها اللفظ الذي عرفه سلف الأمة، وهو لفظ (مجاز أو إجازة)، وحتى أن الخريجين من كلية الطب، كانت إجازتهم يكتب عليها (مجاز في الطب) أو (إجازة في الطب)، وذلك تماشياً مع مصطلح الإجازة الذي عرفه المسلمون بوصفه مرتبة علمية، نالها صاحبها بما سمعه وتعلمه من علوم، فذلك هو مصطلح الإجازة في واقع الحضارة العلمية الإسلامية.
فأين مصطلح الدكتوراه اليوم، من مصطلح الإجازة التي عرفها المجتمع الإسلامي، وأين مكانة الدكتوراه علمياً إذا ما وزنت بعلمية الإجازة؟
وحتى لا يكون هنالك ظلم لمن استحق هذا اللقب عن جدارة علمية وعطاء علمي ، فلا بد من التنويه هنا، إلى أن الدكتوراه ، هي لقب مستحدث وافد ، داخل عالمنا العربي في النصف الأول من القرن العشرين للميلاد ، وأبناء ذلك الجيل الذين عاشوا مولده في عالمنا العربي ، لا نشك بأنهم كانوا أهلاً لهذا اللقب ، فقد أثروا المكتبات العربية والإسلامية والتاريخية بعظيم عطائهم ، حتى بلغوا درجة ومرتبة الموسوعية ، وفي المقابل من ذلك ، فقد اكتسى ثوب هذا اللقب آخرون ، وجعلوه نهاية المطاف ، بعد أن أحسن هذا اللقب نزلهم ، في وسطهم الذين يعيشون فيه ، فأساؤوا للقب أكثر مما أحسنوا إليه.
فأصحاب هذا اللقب في الدول العالم المتقدم ، كانوا قد نالوا و استحقوه بجدارة وعلم وعطاء ، وغدوا منارات علم في تلك المجتمعات ، بتنوع العلم والفنون ، والعلمية هنا ، شرط للحصول على اللقب ، أما في عالمنا العربي ، فقد كان اللقب هذا; بضاعة مزجاة ، أفسدها أصحابها وحاملوها ، فكانت مكافأة لا كفاءة ، ترتب عليها ما دفعه عالمنا العربي من سوء حال ، في التردي العلمي والأخلاقي والتربوي ، وخاصة بعد أن فتحت بلدان أوروبا الشرقية ، باب الدراسات العليا في جامعاتها لأبناء العالم العربي ، والذين عادوا بعض دراساتهم متأثرين فكرياً بالنزعة الاشتراكية، والشيوعية، فقد وصل إلى هذه الدول أبناؤها الذين أوفدتهم بلدانهم إليها، فعادوا متأهلين مناصب جامعية، مع أنهم لا يصلحون للتدريس لطابة المراحل المتوسطة ، حتى يكونوا مدرسين جامعيين ، فتردى حال التعليم في هذه البلاد ، وزاد الأمر سوءاً في هذه الأيام ، عندما وصل أمر منح اللقب هذا ، عن طريق الشبكات العنكبوتية ، فتجد أناساً ممن حصلوا على هذا اللقب- الدكتوراه- وهم لا يحملون مؤهلاً جامعياً ، أو تجد منهم أن كان لديه مؤهلاً وحمل هذا اللقب ، فهو لا يقدر على صياغة صفحة كتابية لنشرها في صحيفة أو مجلة علمية .
هذا وقد تناولت مجلة القافلة السعودية في عددها الموسوم بالرقم( 5 ) على المجلد( 56 ) ، وتاريخ سبتمبر وأكتوبر لسنة 2007 م، بحثاً وافياً عن هذا اللقب ، تحت عنوان: الدكتوراه ولقب واحد وموازين مختلفة، تناولت المجلة في هذا الملف تاريخ النشأة ، وما آلت إليه من سوء حال في واقعنا العربي المعاصر، وبيّنت الدراسة أن الدكتوراه في واقعنا العربي كانت نهاية مطاف ، وليس بداية لعطاء علمي، وغدى حامل الدكتوراه صاحب لقب اجتماعي ، فكان لقباً بديلاً لألقاب عرفتها مجتمعاتنا العربية، مثل لقب( بيك وباشا وأفندي وشيخ) ، وغير ذلك من الألقاب.
ومن باب الإساءة لهذا اللقب ، في واقعنا العربي المعاصر ، فقط أصبح هذا اللقب سلعة تباع بأبخس الأثمان ، وبأسهل السبل في الحصول عليه ، وذلك عن طريق الشبكات العنكبوتية ، والتي تسويق لهذا اللقب ، إضافة إلى بعض الجامعات العربية وغير العربية ، غير المعترف بها ، وكان للإعلام الصحفي، الدور المباشر ، في الترويج و التسويق لهذه المسألة ، وخاصة منها الوسائط الإعلانية، والتي تروج لهذه الشهادات غير العلمية بأن أنساق العديد وراء هذه الدعايات بقصد الحصول على هذا اللقب تعريزاً بسبب هذه الدعايات .
وأصبح حملة الدكتوراة في هذه الأيام ، أصحاب مكافأة لا كفاءة ، فتلك هي حال الدكتوراة عند الكثيرين ممن حصلوا عليها في عالمنا العربي ، فكانت بالنسبة لهم سفينة نجاة أوصلتهم إلى نهاية مطاف رسموه لأنفسهم ، وليست جسر مرور تجاه مستقبل علمي كانت هي- أي الدكتوراة – بابه، فكانوا بحالهم هذا حملاً ثقيلاً على مجتمعاتهم التي يعيشون فيها .