*الدكتور محمد جمال صقر
الخلاف بين الشعراء والنحويين (علماء النحو) قديم ومستمر: يُخطُئ النحويون أقوال الشعراء، ويسفَّه الشعراء أحلام النحويين، والغاوون مذبدبون بين هؤلاء وهؤلاء!
ولا يعرف الشوق غلا من يكابده!
وقد كابدت بحياتي طلب الشعر والنحو، وطلب علمي الشعر والنحو، فلا أحكم هنا إلا بما عانيت، في مسألة مطروحة دائماً وكأن طرحها فرض كفاية على مثقفي كل زمان ومكان!
ولقد خطرت لي في هذه المسألة أفكار أربع، يمكنني بها أنا وأنتم أن نتجاذب أطرافها، عسى أن نركن من فهمها إلى ركن وثيق:
الشعر والنحو:
حقيقة وجود كل منهما في الكلام، وما يجتمعان عليه، وما يفترقان فيه.
علم الشعر وعلم النحو:
منهج البحث عن حقيقة كل منهما المفضي إلى نظريات ضابطة.
الشاعر والفصيح:
حقيقة وجود كل منهما في المتكلمين، وما يجتمعان عليه وما يفترقان فيه.
عالم الشعر وعالم النحو:
حقيقة وجود كل منهما في الباحثين، وما يجتمعان عليه، وما يفترقان فيه.
إننا إذا تأملنا كل فكرة من الأفكار حق تأملها، واتفقنا في نقدها على قول فصل – وضعنا علاقة بين الشعراء والنحويين (علماء النحو) في موضعها الصحيح، فعرف كلّ حدّه، فوقف عنده!
حدّثنا أبو تميم عبد الحميد بسيوني وكان مستشار جابر الصباح أمير الكويت الأسبق، أنه شهد مجلس أستاذنا محمود محمد شاكر، وقد أقبل محمود حسن إسماعيل – وكلهم معاصرون ماتوا في أثناء هذا القرن الهجري الخامس عشر، رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة، ولم يفتنّا بعدهم، ولم يحرمنا أجرهم! – ينشد من شعره المجلس الجليل، وفيه الحسّاني حسن عبد الله – عفا الله عنه – يتسقَط له، حتى لفظ شيئاً صاح به علیه، فغضب محمود حسن إسماعيل.
قال أبو تميم: فلما كان المجلس التالي، بدر إسماعيل بقصيدته من الشعر الحر ((الوهج والديدان)). يقول:
تفعيلتان
ثلاث تفعيلات
وسبع تفعيلات
وأحرفٌ تعانق الألحان بالأحضان والراحات
تدفّق النّور على حفائر الأموات
شلال موسيقى بلا قواعدٍ مرسومة الرنّات
معصومة الإيقاع دون حاسبِِ مزيَّف الميقات
بَعدُّها من قبل أن تجيء بالأسباب والأوتاد والشطرات
تشقَ باب الروح لا تستأذن الإصغاء والإنصات
وليس في إعصارها سبَابةٌ تعذب الهالات
ولا فضول الموت وهو يسأل الحياة عن توهّج الساحات
ولا فضول الليل وهو يسأل الفجر لماذا تنسخ الرفات
ضجّ البلى من صيحة الإشراق في تشبّت الموات
وانتفضت هياكلٌ مرصوفة الطقوس من تناسق الأشتات
وكل ما فيها قرابين تقدّس الرّمام في كلّ حصادٍ مات
مصلوبة الجمود والركود والهمود والسبات
على مطايا زمنٍ مُهرّاً الأكفات
تحركت في غبش الكهوف
جنائزاً في لحدها تطوف
مشلولة المسير والحراك والوقوف
كأنها لترّهات أمسها رفوف
أو أنها لكلّ نور شعّ في زمانها حتوف
تريد شلَ الوهج العَصوف
بأعينٍ ضياؤها مكفوف
وألسنٍ نداؤها معقوف
تهاترت مخدورةُ من سَمته العُكوف
وراعه تمزّق السّجوف
وخيبة التكرار والدوار في القيعان
ما نشبت هُذاءها في القشٌ والعيدان
والحَبُ عن عمائها مغلّفٌ نشوان
ووعيها من غشية غفلان
وطرفُها من عَشبةٍ ظمأن
لكلٌ ما لم يبق فيه قيسٌ لخطوة الإنسان
سبحان ربُ النّور من تحرّك الأكفان
سبحانه سبحان
مَن أيقظ الديدان
أتقام هذا الطير ما لقّنها بستان
ولا حداها حارسٌ يقظان
ولا بغير ما تجيش نارها تحرّكت بَنان
من ذاتها ووحيها رحيقها الصديان
الرافض الإيماء للوراء يمتص َخطى الركبان
الرافض القياس في الصدى وفي المدى وفي اللسان
وفي هوى التنغيم والتفخيم والترنيم والإرنان
تدفَقت لا تعرف التطريز في توهّج الألحان
ولا خداع السمع في تبرُج الحروف للآذان
ولا لخطو اللحن قبل سكبه من نايها ميزان
أسكرها خالقها قبل انبثاق اللحن بالأوزان
تحرَرت فما بها للقالب المصبوب قبل كأسها إذعان
زخارفٌ مطارفٌ متاحفٌ لقشرة الأكوان
قواقعٌ براقعٌ بدائعٌ زيّافة الألوان
جلّ عزيف الناي أن يقوده إنسان
وجلّ روح الفن ّعن تناسخ الأبدان
فالشعر شيءٌ فوق ما يصطرع الجيلان
روحٌ ترجُ الروح كالإعصار في البستان
برفُها وحرفها ونورها المموسق النشوان
وخمرها المعصورة الرحيق من تهادل الأزمان
لكلّ جيلٍ كأسه لا تفرضوا الدنّان
ملّ الندامي حولكم عبادة الأكفان
فجدّدوا أرواحكم لا تظلموا الميزان
فالشعر لحنٌ من بد الرحمن
سبحانه سبحان
مُلهي النسور عن خطى الديدان))..
ومن تأمّل هذه التعبيرات حقُ تأملها: -(( حاسب مزيّف الميقات ))، ((سبَابةٌ تعذُب الهالات))، ((فضول الموت ))، ((فضول الليل ))، ((تشبّث الموات ))، ((تناسق الأشتات ))، ((تحرّك الأكفان ))، ((تناسخ الأبدان ))، ((عبادة الأكفان ))، ((خطى الديدان))،
يرى كيف عرّاه للملأ، ثمّ سلح عليه! بل كيف زلزله، وأضلُه عن نفسه، ثمّ تركه في بيداء! فأيّة مذمة لم يصبّها عليه! وآية محمدة لم يسلبها منه!
فترى كيف اختلفا اختلافاً شديداً وكان ينبغي أن يأتلفا، حتى إذا أخطأ إسماعيل خطأ انتهزه الحسَاني نُهزة باردة؟ وماذا كان ذلك الخطأ ولا مصلحة في التشنيع به، حتى أكمده عليه هذا الكمد. واستعداد هذه العداوة؟
قال المظفر العلوي المتوفى سنة ٦٥٦ الهجرية: (( ينبغي للشاعر ألا يعادي أهل العلم، ولا يتخذهم خصوماً: فإنهم قادرون على أن يجعلوا إحسانه إساءة، وبلاغته عيّاً، وفصاحته حصراً، ويحبلوا معناه، وينتقصوا ما بناه! فكم من أديب أسقط أهلُ العلم حكم أدبه، وأخملوا من ذكره ما تنبَّل به! ولو عددناهم لأفردنا لهم كتاباً! ولله عمار الكلبي حيث يقول:
ماذا لقيت من المستعربين ومن قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا
إن قلت قافيةً بكراً يكون بها بيتٌ خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا قالوا لحنتَ وهذا ليس منتصباً وذلك خفضٌ وهذا ليس يرتفعُ وحرّضوا بين عبد الله من حُمقٍ وبين زيدٍ فطال الضرب والوجعُ
كم بين قومٍ قد احتالوا لمنطقهم وبين قومٍ على إعرابهم طُبعوا
ما كلّ قوليَ مشروحاً لكم فخذوا ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
لأنٌ أرضيَ أرضٌ لا تشبُ بها نار المجوس ولا تُبنى بها البيعُ ولعلَ أهل العلم يأتون إلى المعاني المستحيلة والألفاظ المختلّة، فيقوُمون أودها بعللهم، ويصلحون فاسدها بمعرفتهم، ومَن هذه سبيله فما يحسن أن يُغضب ولا يُقشَب: فربّ داهية وقع على مَن هو أدهى منه: (نضرة الإغريض)
ولو قد حضر الظفر العلوي مجلس أستاذنا ذاك، العرف كيف يقدُر الشعراء من النحويين (علماء النحو)
الشاعر يشتغل بإنتاج الشعر، والنحويّ يشتغل بإنتاج النحو.....بين النحو والشعر عموم وخصوص مطلقان.
على أكثر من ذلك، ولعَطَفَهم عليهم بإغرائهم بخدمتهم لهم كما فعل أخيراً ببعض كلامه، لا بتهديدهم وهم الممثلتون بأنفسهم، بأن يهتك النحويون أستارهم ظلماً وعدواناً ويفضحوا أسرارهم بغياً وبهتانا! ثم العجب له يستشهد يشعر عمار ينعى فيه على النحويين (علماء النحو) تعنيَتَهم له، من غير استكانة لهم ولا إقرار بسلطانهم: أم تراه يخوّف الشعراء بالكمد الذي وجده عمار، من حيث كان السعيد منهم مَن وُعظ بأخي صنعته – حتى يُقرّوا ويستكينوا!
مَثل اللغة المعينة مَثل بنيان الإنسان المعين، ومَثل شعر اللغة المعينة مَثلُ بنيان إنسان ولد من ذلك البنيان السابق، ومَثل نحو اللغة المعينة مَثلُ جهازٍ معيَن في البنيان السابق الوالد مستمر إلى البنيان اللاحق المولود.
ومَن تأمل بنيان الشعر وجد بنيان اللغة: جهاز أصواتها ومقاطعها الصوتية ومعانيها، وجهاز صيفها الصرفية ومعانيها، وجهاز مفرداتها المعجمية ومعانيها، وجهاز تراكيبها النحوية ومعانيها – ورأى تمتزج في الجهاز الواحد مبانيه ومعانيه، وفي البنيان الواحد أجهزته كلها – امتزاج الأشباح والأرواح، لتؤدي رسالة واحدة لا تؤدّى إلا بذلك امتزاجاً فامتزاجاً، مثلما يؤدي عمله الإنسان نفسه صاحب هذه اللغة، وكل عمل موفّق يعمله الإنسان – واللغة عمله الفذّ - ففيه طبيعته البنيانية، (( لعن الله من هدم بنيانه )).!
وإذا جمعنا تراث لغة ما، استطعنا أن نميّز الشعر منه، لأنه جزء محدد - ولم تستطع أن نميز النحو، لأنه عنصر متأصّل في مركّب هذا التراث كلُه، ومن ثم يعمل النحو في بنيان الشعر وغيره من البنيانات اللغوية المولدة، ويتكون بنيان الشعر من جهاز النحو وغيره من الأجهزة اللغوية المستمرة: فبين الشعر والنحو عموم وخصوص مطلقان!
وكذلك نستطيع أن نميز بالعموم والخصوص المطلقين، الشاعر والفصيح بعضهما من بعض، فأولهما المشتغل بإنتاج الشعر، والآخر المشتغل بإنتاج النحو، والشاعر يجب أن يكون فصيحاً، أي أن يستعمل جهاز النحو من اللغة التي يقول فيها شعره، والفصيح يجوز أن يكون شاعراً، وأن يكون غير شاعر،
الخلاف بين الشعراء والنحويين قديم ومستمر والشاعر يجب أن يكون فصيحاً.
ولكن يجب أن يكون أيهما، ليقول من اللغة ما يستعمل فيه جهاز نحوها.
وإنما يكون الشاعر والفصيح – ويبرعان ويقرعان– بملكة فنية يستوعب بها كل منهما تراثه على منهج من مناهج الارتياح الإيحائي، سعياً إلى ميل وجدانيّ من ميول الترجيحات الذوقيّة – ويجري مجراه اتباعاً فابتداعاً، فتتحول ملكته الفنيّة من مرحلة ال