بوابة الدموع باب المندب العلاقات العربية الإسلامية مع الحبشة

بوابة الدموع باب المندب العلاقات العربية الإسلامية مع الحبشة

د. عبدالكريم السمك 

ارتبطت علاقات الحبشة مع العرب الجنوبيين من قديم الزمان حيث تعود بداياتها التاريخية إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ومع مولد الإسلام تطورت هذه العلاقات وارتقت، إلى أعلى مستوى لها بتبادل الرسائل والوفود بين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والنجاشي ملك الحبشة ((أصحمة بن أبجر)). وتحاول هذه الدراسة تتبع هذه العلاقة في الذاكرة التاريخية للأمتين العربية والإسلامية.

الحبشة وجغرافيتها:

جاء في كتاب صبح الأعشى للقلقشندي ((الحبشة مملكة عظيمة جليلة المقدار، متسعة الأرجاء فسيحة الجوانب))، وقد ارتبطت حضارياً دونا عن غيرها من المناطق والدول الأفريقية، بدول الطوق بالنسبة لها، وخاصة مصر من الشمال الشرقي، ودول وحضارات جنوب الجزيرة العربية المتأصلة في عمق التاريخ على هذه الأرض، والرابضة على الضفة الشرقية للبحر الأحمر وحاضنة مضيق باب المندب، وقد جاء في الحديث النبوي أن الأحباش يعرفون ببني أرفدة ((دونكم يا بني أرفدة )) .

وعرفت الحبشة في كتب التاريخ اليوناني، ب ((إثيوبيا))، في عهد المؤرخ ((هيرودوت))، وإلى يومنا الحالي تكتسي بهذا الاسم ويتكون هذا الاسم من كلمتين مركبتين كما جاءت في اليونانية، الأولى ((إيتين))، ومعناها ((حرق)) والثانية ((أوبيس)) ومعناها ((محيا))، ويراد بها ((الوجه المحرق))، وعند البستاني في دائرة معارفه، اسم بلاد قديمة واقعة في جنوب مصر، وكان اليونانيون يسمون كل القبائل السود في أفريقيا بالأثيوبيين وقد سبق للفراعنة أن احتلوا إثيوبيا، كما احتل الإثيوبيون بلاد الفراعنة، وكان منهم عدة ملوك فيها.

أما اسم الحبشة فقد جاءها من العرب حملوا اسم قبيلتهم معهم عندما استوطنوا هذه البلاد، والذين استوطنوا هذه البلاد من العرب، كانوا من الأحباش، بتسميتها باسمها الأول إثيوبيا.

أما عن موقعها الجغرافي، فهي تتربع على جرف صخري مرتفع متنوع في تضاريسه، بين الجبال والأخاديد والأنهار والبحيرات الداخلية، فمجموعة هذه المكونات في تضاريسها، جعلها هضبة متربعة في الوسط الشمالي الشرقي للقارة الأفريقية، أمام مضيق باب المندب، الفاصل بين أرض العرب وأفريقيا، فهي تقع بين الخطين الثالث والثامن عشر من خطوط العرض، والثالث والثلاثين والثامن والأربعين من خطوط الطول شرقي جرينتش، وإلى الشمال بثلاثمائة كيلو متر من خط الاستواء، وتبلغ مساحتها مليوناً وثمانين ألف كيلو متر مربع، وحدودها شمالاً وغربا السودان، وجنوباً كينيا والصومال، وشرقاً البحر الأحمر، ولكن الذي يحول بينها وبين البحر اليوم، كل من الصومال وأريتريا، وقد غدت بموقعها الجغرافي كدولة لا تملك حدوداً بحرية، بعد استقلال أرتيريا عنها بتاريخ 27/4/1993 م.

وتتميز الحبشة أو إثيوبيا عن سائر الدول الأفريقية، بهضبتها المرتفعة التي تنحدر بشدة من الجهة الشمالية الشرقية، وبانحدارها هذا تكونت أنهارها الذي يعتبر النيل أضخمها، حيث ينتهي في سهول السودان، ومتوسط ارتفاع هذه الهضبة هو ثمانية آلاف قدم، وقد تصل في بعض القمم إلى خمسة عشر ألف قدم.

الوجود العربي في الحبشة 

في كتابه ((تاريخ العرب المفصل قبل الإسلام يعلق الدكتور جواد علي من خلال الحديث عن الهجرات السامية العربية الأولى إلى الحبشة ،وخاصة من جنوب الجزيرة العربية، على أن الكثير من المستشرقين الغربيين، الذين إذا تكلموا عن الهجرات العربية إلى الحبشة، يذكرون عبارة السامية والساميين في تعمد لعدم ذكر العرب والعروبة، وقد أشار الدكتور جواد علي إلى أن الكثير من المنصفين الغربيين، كانوا قد استدلوا على الوجود العربي في الحبشية وذلك من خلال التشابه والتقارب في اللغات الحبشية مع الكتابة بالخط المسند العربي -اليمني -، وقد أشار العديد من المؤرخين الذين تناولوا دراسة تاريخ اللغة الحبشية، إلى أن الساميين دخلوا إلى القارة الأفريقية قديماً عبر بوابتين، الأولى عبر سيناء والثانية عبر باب المندب، والذي يبدو فيما يخص الحبشة، أن الذين دخلوها كانوا من الجنوب العربي،، وقد أسسوا في الحبشة مملكة ((أكسوم)) ، وعملوا على نشر لغتهم وعاداتهم في مجتمعهم الذي أقاموه على أرض غير أرضهم وشعب ليس من شعبهم، والأحباش يعترفون بأن ملوكهم من سلالة ملكة سبأ ((بلقيس)). وأن ولدها من سليمان الحكيم هو الذي تولى ملك الحبشة بعدها، في القرن العاشر قبل الميلاد، وأن اسم الحبشة كدولة، كانت قد اكتسبته من القبيلة العربية ((احتشبت)).

فالقبائل العربية التي استوطنت الحبشة، كثيرة ومتعددة، فمنها قبيلة ((تفري)) وهي متفرعة من قبيلة ((جغر)) الحميرية المعروفة كواحدة من كبرى القبائل الحميرية، حيث كانت اللغة الجغرية هي اللغة السائدة في أوساط العرب في القرن العاشر قبل الميلاد، ولا زالت اللغة الجغرية هي لغة الكنيسة والأدب ، وهي أقرب اللغات الحبشية إلى اللغة العربية، حيث يوجد فيها الكثير من الكلمات ذات الأصول العربية.

والقدرة العرب الجنوبيين على ركوب البحار، وتجارتهم في القديم مع الشرق الأقصى، ومعرفتهم بالأقاليم التي تحتضن البحر الأحمر، فقد انساحت العديد من قبائل الجنوب الغربي إلى الحبشة، كبني عامر الذين حافظوا على وحدتهم القبلية في شمال أرتيريا، وقبيلة ((أمحرا))، ولهذه القبيلة العديد من الفروع، وهم يتكلمون باللغة الأمحرية، وهي اللغة الحبشية المعاصرة، وهناك قبيلة ((أغو)) ، وهي قبيلة كوشية قديمة في الحبشة، وقد تزاوجت وامتزجت بسلالة اليهود الساميين الذي هاجروا إلى الحبشة، أيام سليمان وبلقيس ،والذين يعرفون اليوم ب  ((الفلاشا)) الذين هاجر قسم كبير منهم إلى فلسطين المحتلة، وهناك العديد من القبائل العربية التي استوطنت كل من أرتيريا والصومال، في صدر الإسلام، وكلهم في أصولهم من العرب الجنوبيين، وقبائل ((جبرت)) وهي عربية نزحت في عصور متقدمة فيما بعد الإسلام، وأنشأت لنفسها سلطنة ((إيفات)) التي كانت عاصمتها ((جبرته))، والتي ينتسب إليها المؤرخ الكبير الجبرتي رحمه الله

التكوين السكاني 

فالجنس العربي في ذاكرة التراث الأثيوبي، قد تواتر في مورثهم المخطوط على الآثار الحجرية، منذ ألفين وخمسمائة سنة، حيث أطلق في الحبشة اسم ((العرب)) بصريح العبارة وإلى ذلك أشار المرحوم محمد عزة دروزة في كتابه ((تاريخ الجنس العربي))، ولهذا فقد كان سكان الحبشة في تكوينهم السكاني على ثلاثة أصناف:

صنف قليل السمرة ربما هو خليط من العرق السامي والأفريقي، لأن ملامحه الشكلية كما صنفها علماء الإنسان - الأنثروبولجي - تشير إلى ذلك.

الجنس العربي بكل صفاته ومواصفاته وجيناته، وكان هؤلاء العرب قد أسسوا مستوطنات ومجتمعات لهم في الحبشة وحملوا معهم لغتهم السبئية بخط المسند، حيث سادت دولهم وساد معها استخدام الكتابة بالمسند الحميري، ومنها ولدت اللغة الحبشية التي تماثلها في الكتابة، فوثق قياس التشابه بين اللغتين في طريقة الكتابة، لبيان قدم العلاقة بين الحبشة والوجود العربي فيها.

الصنف الثالث، وهو الصنف الأفريقي الخالص، الذي استوطن الحبشة قادماً لها من الغرب والجنوب، ويحملون كل الملامح الإفريقية من شكل الأنف والشفتين إلى العيون والأحداق وطول الجسم، فهذه السمات تميز هذا الصنف عن الصنفين اللذين سبق الحديث عنهما، ولا زال هؤلاء يعيشون حياتهم الأفريقية البدائية التي عاشها أجدادهم وآباؤهم من آلاف السنين.

النصرانية وقصة دخولها إلى إثيوبيا:

حكمت مصر والشمال الأفريقي من قبل البطالمة، والذين زحفوا نحو الجنوب، وانتهت السيادة على هذه الأقاليم في الخمسين سنة الأخيرة قبل الميلاد، لصالح بيزنطة، ومن خلال سيادة بيزنطة على مصر، شملت سيادتها جميع موروثها الجغرافي، كالبحر الأحمر والبحر المتوسط الذي عرف ببحر الروم، وقد حفظت لنا المصادر التاريخية القديمة، زحف بطليموس الثامن على ((مروى)) في إثيوبيا، ما بين سنوات ((146-117)) قبل الميلاد، ثم زحف على مملكة ((أكسوم)).

ففتحها وسجل اسمه على حجر رخامي يبتعد بنحو عشرين ميلاً من جنوب مصوع، أما في العهد الرومي من عصر السيادة على مصر والبحر الأحمر، فقد نشطت هذه السياسة في كل من البحر الأحمر والأقاليم المطلة على شواطئه، لكن هذا النشاط لم يعرف عنه بأنه توغل بعمق في هذه الأقاليم، والرومان بدورهم كانوا وثنيين، فقد قامت عقائدهم على ما كان يعتقد فيه اليونانيون، ولم يعتنق الرومان النصرانية إلا في عهد قسطنطين الأول 333م. ومع تنصره هذا فقد عقد مجمع نيفية سنة ((334 م)) ، بتوصية من قسطنطين، ولا شأن للرومان بدخول النصرانية إلى الحبشة، لأن النصرانية دخلتها من مصر، ولذلك فالعقيدة النصرانية الحبشية هي من عقيدة أقباط مصر، وتتبع الكنيسة الأرثوذكسية، والتي عرفت بكنيسة الإسكندرية -القبطية، وقد أرخ لدخول النصرانية إلى الحبشية، في عهد ابن الملكة ((صوفيا – آهيو))، وهو أبرهة الأول، وكان قد اعتنق النصرانية في الحبشة بتاريخ ((327م )). أي قبل اعتناق الرومان للنصرانية، وقد وصلت النصرانية إلى نجران عبر الحبشة، وذلك لطبيعة التواصل بين الضفتين الذي كان سائداً وفق ما تم الحديث عنه مسبقاً، وقد كانت اليمن تحكم يومها من قبل ذي نواس الحميري اليهودي، وعلى يديه قامت أول هولوكست في التاريخ، جاء على يد اليهود تجاه سكان نجران من النصاري.

اليمن بين التجاذب الفارسي والحبشي:

لم ينقطع يوماً التواصل عبر بوابة الدموع - باب المندب -، بين كل من الجنوب العربي والحبشة، فالتواصل بين الأحباش والعرب، قائم من قديم الزمان، أما العلاقة الفارسية مع اليمن فقد جاءت متأخرة، مع القرن السادس الميلادي، بعد أن وجدوا لهم حلفاء على أرض اليمن من يهودها، وقد جاءت الحملات الحبشية على اليمن في ظل حكومة أكسوم الحبشية، بعد أن غدت على درجة من القوة والمنعة، وجاءت الحملات الحبشية على اليمن على النحو التالي:

الحملة الأولى:

أرخت هذه الحملة في مطلع القرن الأول قبل الميلاد، وقد جاءت هذه الحملة كرد من الأحباش للتخلص من سيطرة السبئيين على الحبشة.

الحملة الثانية:

جاءت هذه الحملة أواخر القرن الأخير وقبيل انتهاءه فيما القرن الأول قبل الميلاد، ومطلع القرن الأول للميلاد، حيث استنجد ملك اليمن ((علهان نهغان)) بملك أكسوم ((أجدرت)) وعقد معاهدة حماية معه، بعد الذي وقع من حروب بين ((همدان)) حلفاء السبئيين، مع بني ((ريدان))، الذين تطلعوا لانتزاع الملك من السبئيين، وقد اتخذ الأحباش من مدينة ((سمرت)) قاعدة لهم في اليمن، وترتب على هذا التأييد قيام مملكة سبأ وذي ريدان، مع انتقال السلطة والعاصمة إلى ريدان، إضافة إلى وضع مملكة أكسوم؛ يدها على العديد من المناطق في بلاد العرب.

الحملة الثالثة:

استند الأثريون في التاريخ لهذه الحملة على وجود نقش في ((زيلع)) على ساحل بلاد الحبشة، فقد استدلوا من هذه النقش على غزو الأحباش لليمن في مطلع القرن الثاني الميلادي.

الحملة الرابعة:

أرخ لهذه الحملة بتاريخ ((277-290م))، وكان ملك اليمن ((شمريهرعش)) الذي حاول إخضاع قبائل ((سحرت)) السبئية، واستمرت الغزوات الحبشية على هذه الحال حتى النصف الأول من القرن الرابع الميلادي، ومع دخول النصرانية لنجران، حيث كان يملك اليمن اليهودي ((ذو نواس الحميري))، والذي وصل حبله في العلاقات مع فارس، ضد الأحباش حلفاء الروم، ومن يومها غدت اليمن وأرضها أرض معترك بين القوتين

نجران والهولوكست الأول في التاريخ:

صدق الله في كتابه وكذبت اليهود، بعد قوله تعالى في سورة البروج ((قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)). كان لدخول النصرانية إلى الحبشة في ماضي تاريخها، والمؤرخ في سنة ((327م))، ولرابط وحدة العقيدة فيما بين الرومان والأحباش، فقد تحالف الأحباش مع الرومان، ضد الفرس العدو المباشر للروم على أرض الشام، فقد تم للفرس نقل ساحة الصراع مع الرومان إلى الجنوب العربي واليمن، وكان الفرس قد وجدوا من يتحالفون معه في اليمن، ذلك هو ملك اليمن ((ذو نواس الحميري)) آخر ملوك اليمن، والذي اعتنق اليهودية، على يد من نجا من اليهود من الشام من أيدي البابليين، حيث هاجر البعض منهم لجنوب الجزيرة العربية ومنهم من استوطن مدن الحجاز، وتاريخ هجرتهم هذه تعود لسنة (( 70م)) هربا من السبي البابلي المعروف، وقد نشط اليهود من خلال وجودهم في أرض موطنهم، حيث تحكم اليمن يومها من قبل الحميريين ملوكا لها، وقد استطاع اليهود تهويد بعض حكام اليمن، فذكرت بأن ((تبان أسعد أبا كرب)) ملك حَمْيِر، كان أول من تهود من ملوكهم، ويوم أن أدركته المنية: كان قد ترك ثلاثة من الأبناء، وهم "حسن، وعمرو، وزرعة" ، وزرعة هذا هو الذي جاء ذكره في صحيح مسلم وأحمد والنسائي، بأن أحد ملوك حمير، ذو نواس اليهودي، واسمه زرعة بن تبان أسعد الحميري، بلغه بأن بعض رعيته أمن بدين النصرانية، فسار إليهم بجنود من حمير، فلما أخذوهم خيروهم بين اليهودية والإحراق بالنار، فاختاروا القتل على تغيير عقيدتهم، فشقوا لهم الأخدود وأضرموا فيه النار، فصبروا فألقوهم في النار، والملك وصحبه ينظرون إلى ما يجرى، وقد قيل بأن عددهم عشرين ألفا، وفي تفسير ابن كثير4/549 : فقد ذكر بأن ذا نواس آخر ملوك حمير اليهودي، المتوفي سنة ((524 م))، أحرق أصحاب الأخدود الذين كانوا نصاري، وكانوا في عددهم نحو عشرين ألفا، وتاريخ التحريق كان سنة ((523 م))،الأمر الذي دفع نجاشي الحبشة النصراني؛ للانتقام لهم، وكان قد أخبر بقصتهم القرآن الكريم في سورة البروج كما تم ذكره في بداية الفقرة.

وقد استطاع الأستاذ البرفيسور عرفان شهيد، أستاذ الدراسات والتاريخ القديم، واللغات الشرقية في جامعة جورج تاون الأمريكية، جمع عدد من الوثائق المعاصرة لحادثة نجران، وكانت بلغات متنوعة، منها السبئية والسريانية والعربية، واللاتينية، فقد جمع هذه الوثائق من أمكنة وجودها في الأديرة والكنائس، وجمعها في كتاب عنونه ب ((شهداء نجران)) ، وقام بترجمة نصوص الوثائق إلى اللغة الإنجليزية، مع عرض صور كاملة عن الأصول لهذه الوسائل، ويعد الكتاب كشفاً جديدا في قضية الأخدود هذه، لأن معظم مواده كانت معاصرة للحادثة، وقد وثق هذه الكتاب قصة أول هولوكست في التاريخ الإنساني، جاءت على يد اليهود، في حق المؤمنين من نصارى نجران، وقد تم نشره باللغة الإنكليزية سنة(( 1971 م ))، وجاءت عنونته بعد نشره على الشكل التالي:

"THE MARTYRS OF NAJRAN NEW DOCUMENTS"

وعلى واقع الحادثة هذه، فقد اندفع ملك الحبشة النصراني الملك ((الأصبح أوكالب)) كما سمته المصادر الحبشية، للثأر لأبناء عقيدته، فغزا اليمن حيث لم يجد ((ذو نواس)) إلا الاستسلام لملك الأحباش، كما أشار لذلك الشاعر ((ذو جدن)) فيقول:

   واستسلم ذو نواس مستكينا وحذر قومه ضنك المضيق

وهناك رواية تقول بأنه رمى بنفسه في البحر، وكانت هذه الحملة الحبشية هي الحملة الخامسة في عداد الحملات الحبشية على اليمن، والتي كان سببها حادثة الهولوكست الأول في التاريخ، حيث تم في هذه الحملة القضاء على الحكم اليهودي في اليمن، وإنهاء ملكهم فيها، وكانت هذه الحادثة قبل تسعين سنة من ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم.

حادثة الفيل وانتهاء الوجود الحبشي في أرض العرب:

وقعت اليمن منذ حادثة الأخدود تحت السيادة الحبشية، وقد تولى حكم اليمن بالنيابة عن ملك الحبشة، القائد ((أبرهة - إيراموس))، الذي سعى من خلال وجوده في اليمن، إلى بناء كنيسة ضخمة حتى يحج لها العرب، لتحويلهم عن مكة وحجهم إليها، فلما فشل سعى لهدم الكعبة في مكة، وقد أرخت هذه الحادثة بسنة ((570م))، تاريخ میلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، حسب ما جاء في الآثار وكتب السيرة، وقد جهز حملته هذه بجيش كبير تتقدمه الفيلة، وقد أهلك الله أبرهة وجيشه، فسلمت الكعبة، واستبشر العرب خيرا بهلاك أبرهة، كما أخبرت بذلك سورة الفيل في كتاب الله، ومن هذا التاريخ، حظيت قريش بالمكانة والتكريم عند العرب، وعلى واقع هذا الهلاك والانكسار للأحباش، وجد الفرس الفرصة المناسبة لاحتلال اليمن، ورحب أهل اليمن بهذا الاحتلال بعد طرد الأحباش حلفاء الروم، العدو التقليدي لهم، ومن هذا التاريخ أصبحت اليمن تتبع حكم فارس، وقد تعاقب على حكم اليمن ولاة من فارس، كان آخرهم ((باذان))، الذي أدرك الإسلام خلال حكمه لها، فاعتنق الإسلام ودخلت اليمن الإسلام مع قيام دولته.

الحبشة في عهد البعثة النبوية:

ارتبطت العلاقة مع الحبشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من واقع ما كان يعانيه المسلمون من تنكيل واضطهاد وإذلال، على يد كفار قريش، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم، قد رسم مستقبلا لدعوته تقوم في حالة الاضطهاد الذي يتعرض له هو وأصحابه إلى أسلوب الهجرة، نهجاً على خطى الرسل والأنبياء، الذين سبق لهم أن نزل فيهم ما ينزل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحبشة تدين بالنصرانية، ولذلك فهي دولة كتابية، وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حديثه أمام صحابته بقوله: ((إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق))، وكان يحكم الحبشة يوم البعثة ملكها ((أصحمة بن أبحر))، والذي يلقب بالنجاشي، ولقب النجاشي وهي مشتقة من كلمة الناجش، وهو لقب لكل ملك يحكم الحبشة كقيصر عند الروم، وكسرى عند الفرس وخاقان عند الأتراك، وقال ابن الملقن المؤرخ؛ النجاشي تابعي لأنه آمن ورأى الصحابة، أما ابن مندة وغيره فقد اعتبروه بمثابة صحابي، وقد كانت وفاته رضي الله عنه في السنة التاسعة للهجرة النبوية، وقد صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب حسب ما أشارت الروايات، وخاصة بعدما أسلم عندما سمع ما سمعه، من المهاجرين عن حقيقة الإسلام وسمو رسالته.

المهاجرون المسلمون في جوار النجاشي  

جاءت الحبشة كدار هجرة للمسلمين بعد أن رسم الرسول صلى الله عليه وسلم، لنفسه ولصحابته أمام إيذاء قريش له ولصحابته، دار هجره لهم، وقد اختار من أجل ذلك ثلاثة مواطن، الأولى يثرب والثانية الحبشة، والثالثة دار بنو عبد القيس في شرقي الجزيرة العربية - دار هجر -، فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته، الحبشة دار هجرة لهم ،بقوله له ((لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم مخرجا مما أنتم فيه)) ، واستجاب الصحابة لطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهاجروا إلى الحبشة، فكانت هجرتهم هذه أول هجرة في الإسلام، وجاءت هجرتهم؛ كما أرخت عندما خرجوا من مكة في شهر رجب من السنة الخامسة للهجرة، حيث اختفوا عن أعين القرشيين، وقصدوا ميناء الشعيبة القريب من مكة، ومنه ركبوا السفن ونزلوا في ميناء ((عدول)) الحبشي، وكانوا أحد عشر صحابيا، مع نسائهم، ومنهم عثمان رضي الله عنه، وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال رسول الله في عثمان وزوجته : (( صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام))، وقد أقاموا شهري شعبان ورمضان في دار هجرتهم، ثم عادوا لمكة في شهر شوال، بعد أن بلغهم إسلام قريش، وفي عودتهم لم يقدروا على دخول مكة إلا بجوار من المشركين، بعد أن تبين لهم أنهم خدعوا بقصة إسلام قريش.

وترتب على ازدياد الإيذاء على المسلمين في مكة، الهجرة الثانية للمسلمين إلى الحبشة، لما وجدوه في النجاشي من تكريم لسلفهم من الذين هاجروا لبلاده، وفي وداعهم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنتم مهاجرون إلى الله، وكتبت لكم هاتان الهجرتان جميعا))، فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه حسبنا يا رسول الله، وكان عدد من هاجر في هذه الهجرة، ثلاثة وثمانون رجلا، وأحد عشر امرأة قرشية، وسبع مسلمين ليسوا بقرشيين وقد وصلوا الحبشة وهم يتمتعون بحرية العبادة الاعتقاد.

وفد قريش إلى النجاشي لاسترداد المهاجرين:

لم تجد قريش أفضل من عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، بتكليفهم بالسفر إلى النجاشي لاسترداد المهاجرين، وكان عمرو بن العاص صاحب معرفة بالحبشة لعلاقاته التجارية معها، وقد التقى الوفد بالنجاشي، وقدموا له الهدايا، وتقدم عمرو بن العاص المعروف ببلاغة حديثه أمام النجاشي، وطلب النجاشي المسلمين ليسمع منهم. فتشاور المسلمون فيما بينهم، فيمن يكون متكلما أمام النجاشي، فاختاروا جعفر بن أبي طالب، وقد قصد المسلمون مجلس النجاشي، وكان يضيق بالبطاركة والأساقفة، فتوجه النجاشي لهم بالسؤال، وتكلم جعفر وكان مفوها وخطيبا وأشدهم جرأة، عن عظمة رسالة الإسلام الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية والاعتقادية، مع بيان شكل وصورة رسالته التشريعية والتعبدية، إلى أن انتهى به القول: ((وفتنونا في ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله، وأن نستحل الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، لم نجد أمام هذا سوى الخروج إلى بلادك، واخترناك عمن سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، فقال له النجاشي هل معك شيء مما جاء به عن الله من شيء ؟؟ فقال جعفر نعم، فقال له النجاشي اقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من سورة مريم، فبكى لما سمع النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته كذلك، ثم قال لهم النجاشي إن هذا الذي سمعناه، هو الذي جاء به عيسى عليه السلام، وإنما هو من مشكاة واحدة، ثم طلب من وفد قريش مغادرة بلاده.

لكن عمرو بن العاص قال لرفيقه، والله لأذهبن لمجلسه وأقول له ما يقولونه بعيسى بن مريم عليه السلام، ولما وقف في مجلسه، قال للنجاشي اسألهم عما يقولونه في عيسى، فهم يقولون فيه قولا عظيما، فتقدم جعفر رضي الله عنه، فسأله عن عيسى عليه السلام فقرأ عليه آيات من سورة مريم، وقال له ما قاله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذكره القرآن الكريم، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فاستأنس النجاشي بالجواب، وقال أمام بطاركته والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد - كسرة عود -، فتناحرت البطاركة حول ما قاله جعفر، لأنهم جعلوا عيسى عليه السلام ابن الله، فقال النجاشي لبطاركته، والله وإن نخرتم، فاذهبوا - مخاطبا المهاجرين - فأنتم شيوم بأرضي - أي آمنون - من سبكم غرم، من سبكم غرم ، ورد على وفد قريش هداياهم، فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فأخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعكم فيه، فخرج الوفد القرشي خائبا، وقد أكرم الله النجاشي باعتناقه للإسلام ونطق بالشهادة أمام المهاجرين، وعند وفاته في السنة التاسعة للهجرة، صلى عليه الرسول صلاة الغائب.

عودة المهاجرين من الحبشة:

لا ينكر أحد واقعة الهجرة المباركة على مستقبل العلاقات الحبشية الإسلامية، وعلى مستقبل رسالة الإسلام الدعوية في شرق أفريقيا، عندما احتضنت الحبشة أكثر من مائة وعشرين مهاجرا في أولادهم وزوجاتهم، وكان من توفي منهم في الحبشة تسعة من الصحابة، وخمس من النساء الصحابيات، وقد تم حصر المهاجرين من كتب السيرة على الشكل التالي:

من الرجال: ٩٤ صحابيا، من الزوجات: ٢٦ امرأة، من الأولاد 9 صبيان ،من البنات: 3 بنات.

وقد كشفت لنا كتب السيرة والأخبار والسنن، عن وجود رسائل بين الرسول صلى الله عليه وسلم والنجاشي، ومن الرسائل النبوية، الرسالة التي حملها عمر بن أمية الضمري للنجاشي، وفيها يطلب الرسول صلى الله عليه وسلم أصحمة، بأنه يخطب السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، من المهاجرات بعد أن تنصر زوجها عبيد الله بن جحش، وقد حافظت على إسلامها، فتزوجها رسول الله تشجيعا لها، وجبرا لما أصابها من الفراق والغربة لأهلها ووطنها، وقد رد النجاشي على رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، برسالة هذا نصها: ((بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، أما بعد فإني قد زوجتك من قومك وعلى دينك، وهي السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأهديتها وأهديتك هدية جامعة، قميصا وسراويل وعطافا - أي طيلسانا - وخفين ساذجين غير منقوشين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)).

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته للم

بوابة الدموع باب المندب العلاقات العربية الإسلامية مع الحبشة

هل كانت هذه الصفحة مفيدة؟ نعم لا

من فضلك أخبرنا بالسبب (حدد خيارين كحد أقصى)

إغلاق Close

أدوات إمكانية الوصول

Ehsan Logo

ابحث هنا